Translate

الأحد، 30 يونيو 2013

نبذة من سفر القضاء في اليمن: "القاضي عبدالحفيظ بن عبدالرزاق المحبشي"


بقلم/ عبدالوهاب يحيى المحبشي
القاضي العلامة عبدالحفيظ بن عبدالرزاق بن عبدالله بن عبدالرزاق المحبشي من مواليد مدينة شهارة في وقتٍ كانت فيه مدينة شهارة قِبلة المتعلمين ومناخ ركب الدارسين وذلك في عام 1346 هـ وفيها نشأ وصحب والده القاضي عبدالرزاق بن عبدالله المحبشي وتلقى عليه العلم والخبرة القضائية، إذ كان حاكماً في قفلة عِذَر، حتى وفاته عام 1371 هـ (1379 هـ/ ابراهيم المقحفي: معجم ألقاب القبائل اليمنية ) فخلفه في القضاء حاكماً في القفلة، فكان نموذجاً للحاكم الفطن والعالم الورع وكان لاتفاق القبائل على الرضى بأحكامه والتوقف عليها سر يدل على ورعه وحزمه في تلك المنطقة الشديدة الاضطراب.
ثم انتقل إلى المحكمة الجنوبية بصنعاء ثم إلى المحكمة الجزائية ثم عضواً بمحكمة الاستئناف بصنعاء فرئيساً لمحكمة محافظة المحويت وكانت آخر محطاته عضواً في المحكمة العليا بصنعاء.
تلك المسيرة الوضاءة التي قضاها القاضي عبدالحفيظ المحبشي في سلك القضاء، إن دلت على شيئ فإنما تدل على أنه كان من القضاة والعلماء والعقول  التي أينما نبغت وفي أي زمن وجدت فهي من المقومات الأساسية لزمنها ومكانها، فلم تتوقف مسيرته القضائية سواء في عهد ما قبل الثورة أو ما بعدها حرصاً من قِبَل ذوي الشأن على عدم الاستغناء عن شخص من أعمدة القضاء نزاهةً وعلماً وحزماً وبُعد نظر.
وهكذا – ظل رحمه الله – حتى لبى نداء ربه في يوم السبت الحادي عشر من صفر 1422 هـ الموافق 5 مايو 2001 م عن عمر يناهز الخامسة والسبعين عاماً.
لقد رسم هذا القاضي الفاضل وكثير من قضاة جيله الأسس التي حددت معالم مؤسسة القضاء في بلادنا والتي استمدت عناوينها ومضامينها من روح الشريعة الإسلامية والتي تلقاها هذا العالم ووالده والذين قبلهم من حلقات المساجد التي لعبت دوراً مشرفاً في نشر الشريعة وفي أحضان أعرق وأعمق مدرسة في الفكر الإسلامي والتي تخرج منها عباقرة العلم في اليمن الذين ورثتهم اليمن الحديث كأفضل ما ورثته من مرحلة عاش فيها اليمن أزهى عصوره الفكرية إشراقاً واستنارةً في حين كانت الأمة الإسلامية تعيش عصور الظلام الدامس في ظل الدولة العثمانية قروناً من الزمن.
وحبذا لو يحترم اليمنيون هذا التراث ولكن الذي نشاهده هو توجه كل الجهات المتنفذة إلى إلغاء ماضي اليمن المشرق بدءاً بالنظام وإنتهاءاً بالإسلام التجاري الذي كان مصدر كل الانحرافات عن مسار الإسلام الصحيح منذ بزوغ الدعوة إلى يوم الناس هذا .. وهذا مصداق لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم، وإن أخوف ما أخاف عليكم الدنيا والدرهم" أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد رثى القاضي العلامة عبدالحفيظ المحبشي كثير من الأقلام منها قصيدة العلامة يحيى بن محمد مرغم, منها:

قد غبت تحت الثرى ولم يكن ... ظني تغيب في الثرى الأقمارُ

يا أيها القبر الذي في لحده ... قمرُ الهدى وخضمه الزخارُ

كيف امتشقت البحر وهو غطمطم ... وتركبت من فوقه الأحجارُ

لو كانت الأعمار تفدي هالكاً ... لفدتك يا قمر الهدى الأعمارُ
***
* صحيفة الأمة اليمنية، العدد(201) السنة العاشرة، 21 مايو 2001 ، ص 4