Translate

الثلاثاء، 2 يوليو، 2013

العلامة المحقق الشهيد الحسين بن ناصر بن عبدالحفيظ المهلا (استشهد في26 رجب 1111 هـ)



إعداد// حمود عبدالله الأهنومي و أحمد حميد المهلا *
هو القاضي العلامة الحسين بن ناصر بن عبدالحفيظ بن عبدالله بن سعيد المهلا النيسائي القدمي الخزرجي الأنصاري، ولد ونشأ بهجرة آبائه الشهيرة قرية الشجعة، وتتلمذ على جده القاضي عبدالحفيظ (ت 1077 هـ ) وهو العالم الذي رحل إليه طلاب العلم من الآفاق للقراءة لديه في تلك الهجرة المباركة، فأخذ عنه لمدة عشرين سنة في الفقه، والنحو والصرف، والمعاني والبيان، وأصول الفقه، وأصول الدين، واللغة، والفرائض، والتفسير، والمنطق، وكتب الطريقة وغيرها من أنواع العلوم، حتى أجازه إجازة عامة، ووصفه جده عبدالحفيظ حين أجازه بأنه: " الولد الحفيد، العلامة، المحقق، عين علماء عصره في المعقول والمنقول، ومرجع نحارير الزمن الذين لهم ملكة في الفروع والأصول"، كما تتلمذ على والده ناصر بن عبدالحفيظ، وعن السيد العلامة محمد بن الحسن بن القاسم (ت 1079 هـ) مؤلف "سبيل الرشاد" وكانت له به علاقة متميزة، كما استجاز من المحدث الحسن بن علي العجيمي الحنفي اليمني الأصل المكي الدار ( ت 1113 هـ )، وجرت بينهما مباحثات ومراسلات.
وصفه المؤرخون والرحالة بالعلم الغزير والتحقيق العجيب والموسوعية المذهلة في العلوم المختلفة، ومنهم الشيخ عبدالرحمن بن محمد الذهبي الدمشقي (ت 1128 هـ ) الوافد إلى اليمن، الذي كان قد اطلع على مكاتباته للعجيمي إلى مكة، فلما لقيه في بندر اللحية فوجد منه "بحرا لا يدرك ساحله"، ووصفه في كتابه "نفحات الأسرار المكية" بأنه كان آية من آيات الله، ومنحة، منحه الله تعالى من أحب عبادته ورضاه، وأنه خاتمة المجتهدين، وبقية علماء آل البيت العاملين، وذكره صاحب "نفحات العنبر" بأنه كان "إماما في العلوم محققاً، وبحراً متدفقاً"، ووصفه تلميذه ابن الوزير بالآتي "الحافظ إمام المتأخرين، وأكمل المتبحرين، وحافظ سنة سيد المرسلين، والمدعو في متأخري الحفاظ بأمير المؤمنين، بركة الأنام وشرف الإسلام".
ولما اقتعد للتدريس بهجرته في الشجعة بالمحابشة وفي القويعة بالشاهل أخذ عنه أتباع كثيرون وطلاب من الشرفين وغيرها واستجازه كبار العلماء في عصره، منهم علامة اليمن ومؤرخها عبدالله بن علي الوزيري ( ت 1147 هـ )، ووالد مؤلف طبقات الزيدية وهو السيد العلامة القاسم بن المؤيد محمد بن الإمام القاسم بن محمد (ت 1127 هـ) أجازه في مؤلفه "شرح البوسية"، كما أخذ عنه الرحالة والسياح مصطفى بن حسين اللطيفي الحموي المتوفى بحلب الشهباء سنة 1123 هـ، وهاجر إليه العلامة علي بن عبد الله التهامي الحبوري من حبور ظليمة للدراسة عنده، وقرأ لديه في المنطق (إيساغوجي) وشرح متن الكافل، وفي كشاف الزمخشري، وقد عاد الحبوري إلى بلده بعد أن استشهد شيخه سنة 1111 هـ في فتنة السيد إبراهيم المحطوري.
وأهم تراث خلّفه هذا الإمام هي تلك المؤلفات العديدة والتي اشتهرت في عصره قال تلميذه المؤرخ ابن الوزير في طبق الحلوى:
"إنها طبقت الآفاق وسار ذكرها مسير الشمس في الإشراق"، منها الفقهية والتارخية والأدبية، ومنها مطمح الآمال، وقد طبع، ولعلى أهمها كتبه المخطوطة والموجودة في كثير من مكتبات اليمن والعالم، ومنها المتحف البريطاني، وهو (المواهب القدسية شرح المنظومة البوسية)، وهو ستة أجزاء، شرح فيه منظومة البوسي شرحا عجيبا أبان فيه عن علومه الواسعة وأنظاره الدقيقة، وتضلعه العميق، وكان يشرح ما ورد لدى العلامة البوسي من الفصول والأبواب، ثم يستدرك عليه في الأحكام الفقهية التي لم يتناولها بقوله: وبقي على الناظم أشياء، ثم يذكر أبياته والتي بلغت آلاف الأبيات، وأما البوسي فهو العلامة الفقيه إبراهيم بن محمد البوسي المتوفى سنة 790 هـ الذي كان قد نظم (التذكرة الفاخرة) لشيخ الإسلام الحسن بن محمد النحوي، في منظومته التي سماها (الزهرة الزاهرة في فقه العترة الطاهرة).
لقد تألّق العلامة الشهيد المهلا في هجرته الشجعة كأسلافه وأهل بيته، وأقبل عليه الطلاب ينهلون من علمه ومعارفه، وقد عايش الأئمة القاسميين وهم المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم (ت 1092 هـ )، والإمام المؤيد محمد بن إسماعيل بن القاسم (ت 1097 هـ) واثني عشر سنة من حكم المهدي صاحب المواهب محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم (ت 1130 هـ)، ويبدو من خلال كتابه مطمح الآمال أن مخالفات اعتاد عليه العمال لا سيما في الجهات الشرفية أثقلت كاهل المواطنين وضاعفت أعباءهم الاقتصادية، وتحيلّ هؤلاء العمال على أخذ أموال الأوقاف للعلم والعلماء لحسابهم الخاص، وفي هذه الأثناء كانت بلاد الشرفين ممر التجارة المنتعشة والقادمة من بندر (اللحية) وبندر ميدي إلى شهارة والأهنوم وخمر وبلاد المشرق، وانتشر حينها التجار المعروفون بالبانيان وهم تجار الهند المغولية، الذين لم تخل منهم مدينة من مدائن اليمن، وصار بيدهم مفاتيح التجارة والمال مما أثار حنق البعض، كما كان لليهود أدوار اقتصادية وحرفية مؤثرة جعلتهم يستحوذون على حيز جيد من المال.
في الربع الثالث من شهر رجب سنة 1111هـ  ظهر  إبراهيم بن علي المدومي المحطوري الذي اتخذ من حصن مدوم (كحلان الشرف) مقرا لعملياته، وكان بارعا في الطلاسم والشعبذة، واستطاع أن يجن دّحوله كثيرا من القبائل والمواطنين باستثارة حسهم المحلي ضد عمال البلاد المحليين الذين كان كثير منهم يظلمون الناس، وضد التجار الهنود (البانيان) باعتبارهم أجانب، وكذلك ضد اليهود لأنهم ليسوا بمسلمين، وكان من الطبيعي أن يتناقض مع العلماء لأنه ليس بعالم ويعلم أنهم سيقفون حجر عثرة أمام تهوره وقتله للناس بغير حق ومن دون دليل، وقد التف حوله كثير من القبائل الذين لم يكن لهم حظ في العلم والمعرفة طمعا في المال وانتقاما من هؤلاء، ومن السهل أن تنتشر في أوساط هذه القبائل الخرافة والأساطير، فإضافة إلى ما كان لدى المدومي المحطوري هذا من قوة التأثير فقد كان يعطيهم ما يسميه المؤرخون (الطلاسم) لكي يقوي عزائمهم، وبذلك حقق بعض الانتصارات الخطيرة والسريعة ضد جيش الدولة القاسمية التي كانت عاصمتها قرية المواهب القريبة من مدينة ذمار البعيدة نسبيا من (الشرفين)، فانتشرت الشائعات عن الخوارق التي تميز جيشه عن غيره؛ مما أعطاه دفعة كبيرة لمواصلة توسعه حتى وصل ثلاء وخمر.
استمرت حركة المدومي المحطوري أربعة أشهر، وقتل من البانيان واليهود أعدادا كبيرة واستولى على أموالهم، هذه الأموال استطاع بها تحريك الجيوش الجرارة ضد القاسميين، وكانت حصيلة هذه الفتنة مقتل عشرات الآلاف، وبقدر السرعة التي ميزت نجاحات حركته كانت نهايته ثم قُتل في مدينة صعدة بعد أن فر إليها، ورغم أن للعلامة المهلا دورا في نقد السياسات التي سلكها عمال الشرفين إلا أن عداء حركة المدومي المحطوري للعلم والمعرفة جعل المهلا وأمثاله من العلماء عرضة لسيوفهم فاحتز رأسه، وعلق هو ورأس الشيخ حسين بن حسن المحبشي وولده على شجرة طنب بساحة شمسان ،أمام المحطوري، كما قتل كثير من العلماء غيره.
ووري جسد المهلا رحمه الله في قريته مدوم، وذهبت قصة مقتله كل مذهب، وارتاع الناس من هذه الحادثة، وسج لّت له الذاكرة الشعبية كرامات تعكس مدى حب الناس له وتعلقهم به، ويتداول كثير من الناس حتى اليوم أن قبر المباشر لقتله وهو من بعض القرى المحيطة بمدوم يحترق كل ليلة، وكلما وضعوا فوقه شيئا من الأحجار لا يلبثون أن يجدوه في اليوم التالي وقد اسود لونه، مما يعكس حالة الحزن التي أصيب بها أهالي الشرفين من هذا المصاب الجلل.
مصادر الترجمة:
طبقات الزيدية، وتتمة الإفادة، نشر العرف، مطمح الآمال للمترجم نفسه، أعلام المؤلفين الزيدية، هدية العارفين.
* نقلاً عن: مفتاح المجد،العدد(11) 29 رمضان 1433هـ، وهي مجلة نصف شهرية تصدر من مديرية المفتاح-محافظة حجة