Translate

السبت، 28 مارس، 2015

انزلوا عن الشجرة أو استعدوا للأسوأ



ابراهيم الأمين – الاخبار اللبنانية – 28 مارس 2015
الساعات تمر، والاستعراض السعودي مستمر على الشاشات بطولاتٍ وانتصارات. والغارات تقتل المزيد من المدنيين اليمنيين، وتدمّر بنى تحتية تخص الدولة والجيش. لكن مفعول الصدمة الأولى انتهى. والقوى المعنية مباشرة بالحرب داخل اليمن استوعبت، ليس موجة الغارات الأولى فقط، بل حتى تداعياتها السياسية داخل اليمن. حتى الرهان والعمل على استمالة علي عبد الله صالح، لا يبدو أنه سيحقق أي نتيجة تذكر. وحدهم جماعة «الإخوان المسلمين» يعودون إلى انتهازيتهم القاتلة، يحركون تظاهرات مرحّبة بالعدوان على بلدهم في بعض مناطق الجنوب، ويشاركهم الخيانة بعض مجانين الانفصال في جنوب اليمن، من الذين يتحدثون اليوم عن وعود قاطعة قدمتها لهم السعودية بإعلان الجنوب بلداً مستقلاً.
على الصعيد السياسي، يسعى السعوديون إلى فرض أمر واقع على جميع العرب. وبينما كان من المفترض أن يربطوا قرار العدوان على اليمن بصدور قرار عن القمة العربية بإنشاء قوة عسكرية مشتركة. أظهرت المعطيات، خلال الساعات الماضية، أنهم أظهروا خشية من اشتباك وضغوط تمنع تكليف هذه القوة بتولي مهمة عسكرية في اليمن، كذلك فإنهم يعتقدون أن الحرب نفسها ستفرض على حلفائهم من العرب والغربيين عدم تركهم وحدهم في الساحة. ومع ذلك، ما يجري على الأرض في اليمن، وما يتعلق بالاتصالات الجارية، أظهر أن استراتيجية من اتخذ قرار العدوان، ليست قائمة بشكل قوي. وبينما كان عنوان الحملات الإعلامية والسياسية لليوم الأول هو إطاحة الحوثيين وإعادة عبد ربه منصور هادي إلى القصر الرئاسي في صنعاء، تراجع المتحدثون باسم قوى العدوان خطوة إلى الخلف أمس، وأوكل إلى هادي وجماعته رفع شعار: إن الحرب هدفها إجبار الحوثيين على الذهاب إلى طاولة الحوار.
استراتيجية الحوثيين تقوم على الصمود والجاهزية ثم خوض الحرب المفتوحة
ولتوضيح الصورة، لنفصل بين ما يجري على الأرض وما قد يحصل خلال الساعات المقبلة، وبين برنامج عمل قوى العدوان.
في الجانب الأول، تواصلت خطوات «أنصار الله» والجيش اليمني في تثبيت نقاط السيطرة جنوباً ووسطاً، وارتفعت حالة الجاهزية العسكرية إلى مستويات عالية، بما في ذلك الجاهزية التي تخص مواجهة أي غزو بري، أو حتى الاضطرار إلى القيام بعمل هجومي وقائي على الأرض. علماً بأن قرار بدء الرد المباشر على العدوان، سيظل أسير الأجوبة المنتظرة من الطرف الآخر، وهي أجوبة عن سؤال واحد: أوقفوا العدوان فوراً، وتعالوا إلى المفاوضات.
وبحسب المعطيات الواردة من صنعاء، فإن «أنصار الله» وضعت جميع الحلفاء داخل اليمن وخارجه في أجواء قرارها التصدي المباشر للعدوان، وإنها لن تقدر على التحمل أكثر، وإن الفترة الزمنية التي ستتاح لقوى العدوان لوقفه والتراجع تضيق سريعاً. وانشغلت الحركة الحوثية في ترتيبات لوجستية وسياسية وميدانية، آخذة في الاعتبار أن الوضع الشعبي في اليمن عموماً، وفي مناطق الشمال على وجه الخصوص، أظهر تماسكاً لم يكن مقدراً بهذا الحجم. وذهب أحد المعنيين إلى حد القول بأن لا خشية مطلقة على أي انقسام في الشارع اليمني يمكّن المعتدين من تحصيل أثمان للعدوان.
وينقل المطلعون، أن تطورات الساعات الماضية تعطي الانطباع القوي بأن السعودية لا تملك استراتيجية واضحة، وأن ما ادعته حول جاهزية عربية ودولية لمساندتها في هذه الحرب، ليس دقيقاً على الإطلاق، وأن عواصم كثيرة تؤيد العدوان، سارعت إلى التوضيح بأن موقفها يقتصر إما على الدعم السياسي أو على إبداء الاستعداد لتدخل في حال بروز خطر على نظام آل سعود. وهو ما يجعل المراقبين يلفتون إلى أن التسلق السريع لآل سعود إلى أعلى شجرة الحرب، بات يحتاج خطوة كبيرة لكي يصار إلى إنزاله سريعاً قبل فوات الأوان.
ماذا عن خيارات قوى العدوان؟
ــــ في حالة استمرار الغزو الجوي، فإن بنك الأهداف لدى قوى العدوان سينتقل سريعاً ليكون مقتصراً على المدنيين، خصوصاً أن انتشار الحوثيين الواسع على مجمل البلاد، يمنع على الغزاة تحقيق نتائج من النوع الذي يلزمهم بالاستسلام. لذلك، إن الاستراتيجية المقابلة تقوم على قاعدة «الصمود والتحمل».
ــــ في حالة قصدِ قوى العدوان توسيع دائرة القصف الجوي بقصد خلق وقائع على الأرض لتتحول ضغوطاً على القيادة الحوثية، فإن ما يعرفه السعوديون على وجه الخصوص، هو الواقع الصعب والتاريخي الذي يعيش اليمنيون في ظله، والذي كان أحد أسباب ثورتهم على الحكم هناك، وأحد أسباب سعيهم إلى الاستقلال بعيداً عن الهيمنة السعودية. وبالتالي، إن غالبية اليمنيين تسخر من الحديث عن تحويل الضربات إلى عناصر ضغط شعبية. أما الاستراتيجية المقابلة فتقوم على قاعدة «التماسك والتحدي».
ــــ إذا واصل المعتدين جنونهم وعمدوا إلى ارتكاب مجازر كبيرة بحق المدنيين، من خلال غارات مكثفة وقاسية، فإن التجربة القائمة الآن، أي خلال الأشهر القليلة الماضية، تعطي لكل خبير عسكري في العالم الجواب المباشرة على النتيجة. لقد نفذت قوات التحالف الغربي أكثر من ثلاثة آلاف غارة جوية على مواقع ومناطق نفوذ داعش في سوريا والعراق. ولم تؤثر هذه الغارات في الوقائع على الأرض. وفقط عندما تولت قوات على غير صلة بدول التحالف قيادة عمليات برية مدروسة، ظهرت النتائج. وها هي الموصل، ولو شنّ عليها عشرات الألوف من الغارات، فإن تحريرها من داعش لن يحصل من دون عمليات برية. أما الاستراتيجية المقابلة فتقوم على قاعدة «تثبيت المواقع وبدء الرد العنيف».
ــــ أما في حالة لجوء قوى العدوان إلى العمل البري بقصد احتلال مناطق لإبادة الحوثيين وأنصارهم، ولفرض وقائع سياسية، فإن الأمور ستذهب نحو ما يمكن أحداً ضبطه أو حتى تخيل نتائجه. ذلك أن الاستعدادات لا تقتصر فقط على وضع خطط مواجهة على الحدود البرية أو البحرية، بل على إحباط أي هجمات مباشرة، وفي حالة أخرى، على إبادة القوى المتوغلة داخل الأرض اليمنية. وفي هذه الحالة، يملك الحوثيون على وجه الخصوص، من العناصر التقنية والميدانية ما يتيح لهم تحقيق شعارهم بتحول بلادهم إلى «مقبرة الغزاة».
ــــ يبقى أمام قوى العدوان أن تتوقف عن هذا الجنون، وأن تبحث مع الآخرين ومع القادرين عن حل يحفظ ماء الوجه إعلامياً، وإن ذلك لن يكون إلا من خلال العودة إلى المفاوضات والتوصل إلى حل سياسي. وللعلم، إن شعار الحوثيين كان منذ اليوم الأول للانتقال من عمران إلى صنعاء، ولاحقاً إلى الجنوب، هو فرض حل سياسي قائم على منظومة شراكة كاملة في الحكم، وهذا جل ما يمكن أن يتحقق.
لكن وفق مبدأ الجريمة المتمادية، والنتائج المتتالية، كلما رفع آل سعود من سقف توقعاتهم، وبالغوا في إمكاناتهم، سيكون إحباطهم أكبر. وعندما يكتمل المشهد، سنشهد انتفاضة داخل الجزيرة العربية، قد يكون ـ مع الأسف ـ أبناء أسامة بن لادن وأحفاده هذه المرة في المقدمة!

إسرائيل قلقة من نسخة حزب الله في اليمن



محمد بدير – الاخبار اللبنانية – 28 مارس 2015
يواصل المعلقون الإسرائيليون، التعبير عن الموقف الإسرائيلي من التطورات السياسية والأمنية التي يشهدها اليمن، في ظل امتناع رسمي إسرائيلي حتى الآن عن التعليق. مع ذلك، فإن لدى المعلقين الإسرائيليين الكثير من المعطيات التي تسمح لهم بتحديد دقيق لمصلحة الدولة العبرية، سواء استناداً إلى مواقف أطلقها مسؤولون إسرائيليون في مناسبات متعددة، أو إلى ما هو معروف من تقديرات وتوصيات لدى المؤسسة الأمنية.
وما زال الإطار الحاكم للمقاربة الإسرائيلية إزاء تطورات اليمن، هو الأكثر حضوراً في تعليقات ومواقف المعلقين الإسرائيليين. ففي الوقت الذي يغيب عن تحليلاتهم التركيز في الأبعاد الداخلية المتصلة بالساحة اليمنية وما يعانيه هذا الشعب من ظلم يطاول واقعه السياسي والأمني والاجتماعي، لا ترى إسرائيل سوى الأبعاد المتصلة بمحور المقاومة وموقف «أنصار الله»، الذين يتزعمهم عبد الملك الحوثي، من إسرائيل ومن الولايات المتحدة وحلفائهم في المنطقة.
ترى إسرائيل في التطورات الحاصلة فرصة تسمح لها بنسج تحالفات استراتيجية في مقابل التهديد المشترك
وعلى هذه الخلفية أكد معلقون إسرائيليون أن «على إسرائيل أن تقلق وخاصة أننا قد نكون أمام نسخة من حزب الله في اليمن».
ضمن هذا الإطار، رأى المعلق العسكري في صحيفة «يديعوت آحرونوت»، اليكس فيشمان، أن إسرائيل «وجدت نفسها مرة أخرى في الجانب نفسه من المتراس الذي تقف فيه الدول العربية السنية المعتدلة» في إشارة إلى السعودية وبقية دول الخليج. وينطوي هذا التعبير أيضاً على أن إسرائيل سبقت ووجدت نفسها إلى جانب هذه الدول في ساحات أخرى، مثل سوريا ولبنان والعراق. لكن فيشمان أوضح أن المصلحة المشتركة لإسرائيل، ولدول الخليج لا يجري ترجمتها عملياً، وإسرائيل لا يمكنها ترجمتها من أجل تعزيز مكانتها الإقليمية.
مع ذلك، ترى إسرائيل، كما يشير فيشمان، في التطور اليمني فرصة إضافية لقطف ثمار استراتيجية حيوية لأمن إسرائيل، وخاصة أنه سبق لبنيامين نتنياهو، ولعدد آخر من المسؤولين الرسميين، أن رأوا في التطورات التي تشهدها المنطقة العربية فرصة لإسرائيل تسمح لها بنسج تحالفات استراتيجية في مقابل التهديد المشترك، المتمثل بإيران وبقية محور المقاومة.
ومن المعطيات التي عكست المقاربة الإسرائيلية للحدث اليمني، وعرضها اليكس فيشمان أيضاً، التعليمات التي صدرت عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بعد سيطرة «انصار الله» على مناطق واسعة من الأراضي اليمنية، للسفن التجارية الإسرائيلية بوجوب التعاطي مع الشاطئ اليمني كشاطئ دولة معادية. وأضاف بأن «لهذا التحذير آثار على مسارات الإبحار ومستوى التأهب والحراسة للسفن الإسرائيلية التي تجتاز مضائق باب المندب وتدخل البحر الاحمر».
وأوضح المعلق العسكري للصحيفة أن «السيطرة الإيرانية على اليمن تعد من ناحية إسرائيل، مساً محتملاً بالابحار خلال الأزمات». ولفت إلى أنهم «منذ الآن يتحدثون في إسرائيل عن خيار نصب صواريخ أرض ـ بحر على الشواطئ اليمنية، بما يؤدي إلى المس بمسار حيوي لإسرائيل من الشرق».
وقارن فيشمان بين هذا التهديد المحتمل والتهديد الذي تمثّله صواريخ أرض ـ بحر، انطلاقاً من الشواطئ اللبنانية والسورية، على حركة الابحار نحو الموانئ الإسرائيلية، حيفا وفي مستقبل غير بعيد على ميناء أسدود أيضاً.
وأضاف فيشمان إن تعزيز سيطرة «أنصار الله» في اليمن سيؤدي إلى تعزيز المحور الراديكالي الذي يهدد إسرائيل، مشيراً إلى أن هذا الوضع سيجعل اليمن نقطة انطلاق أفضل لتهريب السلاح من إيران إلى قطاع غزة.
من جهته، رأى معلق الشؤون العربية في التلفزيون الإسرائيلي، ايهود يعري، أن «على إسرائيل أن تكون أول القلقين من الأحداث في اليمن»، مشيراً إلى أن «ما نراه هو حركة تعد نسخة يمنية من حزب الله».
ولفت يعيري إلى أن «أنصار الله» يهتفون في تجمعاتهم بشعار «الموت لإسرائيل».
ويحضر في هذا السياق الرهان الإسرائيلي على أن تؤدي الغارات على اليمن إلى تبديد القلق الإسرائيلي الناتج عن سيطرة «أنصار الله»، وحول ذلك رأى يعري أيضاً، «اذا استمر الوضع على ما هو عليه فنحن على بعد أيام قليلة أو ساعات قبل أن تتحول اليمن إلى دولة موالية لإيران عبر الحوثيين».

"معسكر السلام" العربي يتحول إلى الحرب



 (باب المندب أيضا ممر بحري فتحته دولة الاحتلال الإسرائيلي بوابة رئيسية لها إلى إفريقيا وآسيا وكانت هذه جائزتها الاستراتيجية الكبرى من مشاركتها مع بريطانيا وفرنسا في عدوانهم الثلاثي على مصر عام 1956)
بقلم نقولا ناصر* - المنار المقدسية – 28 مارس 2015
مع بدء عملية "عاصفة الحزم" التي أطلقها "معسكر السلام" العربي فجر الخميس الماضي، بدعم لوجيستي واستخباري أميركي معلن، بدأ الفصل اليمني في حروب داحس والغبراء العربية التي تعصف بالعرب ومقدراتهم ووحدة أوطانهم منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد المصرية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1979، وبخاصة منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. ولا يسع عرب فلسطين إلا أن يتابعوا هذا الانتحار العربي بحسرة ممزوجة بعتب غاضب على أشقائهم الذين يهدرون دماءهم وأموالهم في حروب جاهلية بينما فلسطين وعربها يرزحون صامدين ومقاومين تحت الاحتلال منذ عام 1948 بانتظار صحوة عربية تستجيب لاستغاثاتهم التي لم تتوقف لحظة من دون طائل حتى الآن. واليوم يثبت "معسكر السلام" العربي أنه يملك المال والسلاح والإرادة السياسية لخوض حروب داحس والغبراء على اتساع الوطن العربي، خصوصا في الأقطار العربية التي ما زالت في حالة حرب، ولو اسمية، مع دولة الاحتلال، لكنه يقف عاجزا مكتوف الأيدي على حدود فلسطين المحتلة. إن المطارت الحربية والألوية العسكرية التي تقصفها الآن في اليمن طائرات مقاتلة تحمل شارات عربية لكنها تسترشد بإحداثيات تتزود بها من الدعم اللوجستي والاستخباري الأميركي هي ملك الجيش اليمني، وليس ملكا لطائفة أو قبيلة منه، وملك للشعب اليمني الذي بنى هذا الجيش من قوت يومه الشحيح، وبالتالي فإن ما يجري هو تدمير لجيش عربي جديد، هو القوة الرئيسية التي تحارب "القاعدة" وتفريخاتها، بعد تدمير الجيشين العراقي والليبي بالغزو الغربي واستنزاف الجيش العربي السوري في غزو أجنبي بالوكالة العربية ممتد منذ ما يزيد على أربع سنوات، بقيادة الولايات المتحدة وتحريض دولة الاحتلال الإسرائيلي. ويتذرع تحالف الدول العربية العشر المشاركة في "عاصفة الحزم" بحجة أنه يشن حربه العدوانية على جيش اليمن وشعبه دفاعا عن "الشرعية الدستورية" المفقودة في معظم هذه الدول، بناء على طلب من رئيس يستمد شرعيته من "المبادرة الخليجية" أكثر مما يستمدها من داخل بلاده، ويركز إعلامها على هذه الحجة لإخفاء المصالح الذاتية والغربية التي تحميها هذه "العاصفة". ويغيّب هذا الإعلام حقيقة أن باب المندب، وهو ممر مائي شرعي للمصالح العربية والدولية، هو أيضا ممر بحري فتحته دولة الاحتلال الإسرائيلي بوابة رئيسية لها إلى إفريقيا وآسيا وكانت هذه جائزتها الاستراتيجية الكبرى من مشاركتها مع بريطانيا وفرنسا في عدوانهم الثلاثي على مصر عام 1956. ولا يوجد أي خطر يمني على الملاحة الدولية من باب المندب أيا كان النظام السياسي الحاكم، فهذه مصلحة يمنية حيوية بالدرجة الأولى، غير أن نظاما تقوده جماعة مثل "انصار الله" يهتف أنصارها في كل مناسبة بسقوط دولة الاحتلال وراعيها الأميركي سوف يكون خطرا على دولة الاحتلال فقط. لقد تمخضت الانتخابات الأخيرة في دولة الاحتلال عن نتائج لا يمكنها أن تفضي إلا إلى تأليف حكومة حرب، ما استنفر حتى الرئاسة الأميركية الراعية للاحتلال ودولته للإعلان بأن هذا الاحتلال "يجب أن ينتهي"، بينما يستمر "معسكر السلام" العربي في خوض حروب داحس والغبراء الجاهلية في طول الوطن العربي وعرضه إلا في فلسطين، حيث ما زال عربها يستغيثون بعمقهم العربي منادين ب"عاصفة حزم" عربية بلا جدوى. لقد اعتبر الرئيس المصري الأسبق الراحل أنور السادات حرب تشرين/ أكتوبر 1973 "آخر" الحروب العربية مع دولة الاحتلال، وفي سنة 2002 أيدته بالاجماع جامعة الدول العربية عندما أصدرت القمة العربية المنعقدة في بيروت "مبادرة السلام العربية"، لكن دولة الاحتلال اعتبرت إعلانه التزاما عربيا من جانب واحد، وضوءا اخضر من أكبر دولة عربية لتواصل وأيديها طليقة من أي رادع عربي شن الحروب والعدوان على العرب، خصوصا في فلسطين ولبنان وسوريا. وقد أطلق هذا الالتزام العربي من جانب واحد حروب داحس والغبراء العربية – العربية والعربية – الإسلامية، لتدمر العمق الاستراتيجي العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية العادلة وتترك عرب فلسطين لقمة سائغة معزولة ومحاصرة تحت رحمة دولة الاحتلال وآلتها العسكرية المتفوقة. والمفارقة أن "معسكر السلام" العربي قد تحول إلى معسكر حرب يقاتل في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن ومصر وغيرها مرة باسم "أصدقاء" هذا القطر العربي أو ذاك وأخرى باسم "تحالف" ضد الإرهاب وثالثة باسم ائتلاف "المعتدلين" ضد "الخطر الإيراني" ورابعة باسم "محور سني" في مواجهة "الخطر الشيعي"، إلخ. لكن مهما اختلفت المسميات، كانت الولايات المتحدة إما مبادرة وقائدة للتحالفات والمحاور التي شارك فيها "معسكر السلام" العربي أو مباركة وداعمة لها. وقد نفى سفير السعودية في الولايات المتحدة عادل الجبير أن تكون أميركا ضالعة في الضربات الجوية التي يشنها في اليمن تحالف الدول العشر الجديد، ومعظم أعضائه شركاء غير أعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو" (دول الخليج العربية الست والأردن ومصر والسودان والمغرب مع باكستان وبدعم معلن من تركيا العضو في "الناتو")، غير أن البيت الأبيض الأميركي أعلن في بيان رسمي أن بلاده دعمت عملية "عاصفة الحزم" وأن الرئيس باراك أوباما قد اجاز تقديم "الدعم اللوجستي والاستخباري" لها وأن "خلية للتخطيط المشترك لتنسيق" الدعم الأميركي قد أنشئت مع "العربية السعودية". ومهما اختلفت المسميات أيضا كانت دولة الاحتلال دائما حاضرة في خلفية هذه التحالفات والمحاور من خلال علاقاتها الثنائية مع راعيها الأميركي، وكانت المستفيد الأول والأخير من "جنوح" هذا المعسكر العربي إلى "السلام" معها. وقد جاءت "عاصفة الحزم" لتشرك فيها مصر والأردن بين عشر دول عربية من "معسكر السلام"، ليتحول الأردن الذي وقع معاهدة صلح منفردة مع دولة الاحتلال عام 1994 إلى دولة محاربة في العراق وسوريا والآن في اليمن، وكذلك تحولت مصر التي أعلنت وزارة خارجيتها في بيان رسمي "دعمها السياسي والعسكري" لعاصفة الحزم وأكدت أن "التنسيق جار حاليا ... بشأن ترتيبات المشاركة بقوة جوية وبحرية مصرية وقوة برية إذا ما لزم الأمر"، والدولتان مع المملكة العربية السعودية على مرمى حجر من قطاع غزة الفلسطيني حيث شنت دولة الاحتلال ثلاثة حروب عدوانية منذ عام 2008 من دون أن تجد أي منها ضرورة لأي "حزم" في مواجهة العدوان على عرب فلسطين في القطاع. لقد أعلنت عملية "عاصفة الحزم" أجواء اليمن منطقة محظورة، ولم يتوقف "معسكر السلام" العربي عن المطالبة بحظر مماثل في الأجواء السورية منذ ما يزيد على أربع سنوات، بعد أن التزم مؤيدا بحظر أميركي مماثل في الأجواء العراقية قبل غزو العراق، وتكرر الموقف في ليبيا، لكن هذا "المعسكر" لم يجد مسوغا يدفعه للمطالبة بحظر جوي لحماية عرب فلسطين في القطاع. ويلفت نظر المراقب أن منظمة التحرير الفلسطينية، وهي "الشريك" في "معسكر السلام" العربي الذي يعمل كحاضنة لها، لم تنتظر أربعة وعشرين ساعة كي تعلن رئاستها "دعم" عاصفة الحزم التي شنها هذا المعسكر على اليمن، ليعلن المتحدث باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة أن هذه "العاصفة" قد أدخلت الشرق الأوسط في مرحلة جديدة حاسمة عنوانها "اصطفاف عربي قومي" يعيد الحياة إلى شعوب المنطقة ! ولأن المنظمة لا تملك من وسائل الدعم ما يمكنه أن يساهم في الجهد الحربي لتحالف الدول العشر، فإن مسارعتها إلى إعلان دعمها لا تفسير لها سوى حرصها على استمرار الدعم "المالي" الخليجي لها، على شحته، عشية انعقاد مؤتمر القمة العربية في القاهرة حيث تستعد للمطالبة بتفعيل "شبكة الأمان" المالي العربية ل"السلطة الفلسطينية" التي تمر في أزمة مالية خانقة بسبب قرصنة دولة الاحتلال لعائداتها الضريبية والجمركية، اللهم إلا إذا كانت المسارعة بإعلان تأييدها شرطا خليجيا مسبقا للوفاء بتوفير "شبكة الأمان" المالية لها. لكن منظمة التحرير، التي تكرر رئاستها التزامها كمسألة مبدأ بعدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية وبعدم الانجرار إلى "المحاور" العربية وبعدم الانحياز في الخلافات العربية البينية، شذت هذه المرة لتتدخل في الشأن اليمني، وتنجر إلى محور عربي، وتنحاز في خلافات عربية بينية، مخاطرة بتكرار ما وصفه بعض منها ب"الخطأ" ووصفه بعض آخر ب"خطيئة" انحياز المنظمة إلى "حل عربي" للنزاع بين العراق وبين الكويت قبل خمسة وعشرين عاما. إن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة هو المستفيد الأول من وقف حروب داحس والغبراء العربية الجاهلية، ودولة الاحتلال هي المستفيد الأول والأخير من استمرارها، وكان الأحرى بالرئاسة الفلسطينية أن تنتظر انعقاد القمة العربية يومي السبت والأحد لتطالب بحل عربي سلمي للأزمة في اليمن، وبوقف الاقتتال اليمني، وبرفض التدخل الخارجي في اليمن عربيا كان أم أجنبيا، وبفسح المجال للحوار اليمني الوطني داخل اليمن كي يأخذ مداه للخروج من الأزمة، فأهل مكة أدرى بشعابها. وهذه هي تحديدا مطالب كل القوى اليمنية المتصارعة، من حزب المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله والحزب الاشتراكي والناصريون وحزب الإصلاح وغيرهم ممن يمثلون الأغلبية الساحقة للشعب اليمني، وحتى "القاعدة" في اليمن رفضت التدخل الخارجي، فلماذا تريد منظمة التحرير لعرب اليمن غير ما يريده أهل اليمن أنفسهم لأنفسهم!
 * كاتب عربي من فلسطين