Translate

الجمعة، 18 مارس، 2016

السعودية: حكاية إفلاس مالي وسياسي غير معلن!!



جمال محمد تقي/ المنار المقدسية 17 مارس 2016
أعلن صندوق النقد الدولي بأن استمرار العجز في ميزانيات دول الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، سيؤدي إلى تآكل أغلب احتياطياتها النقدية. فالاحتياطي النقدي السعودي والبالغ الآن حوالي 654 مليار دولار، سيتبخر خلال خمس سنوات إذا استمر الحال على ما هو عليه، أي على فرض استقرار معدل سعر برميل النفط على 50 دولاراً، وبقاء معدلات الإنتاج بدرجاتها المرتفعة البالغة حوالي 5. 10 مليون برميل يومياً. وجاء هذا الإعلان ضمن التقرير الدوري لصندوق النقد الدولي حول مؤشرات الاقتصاد العالمي ومعوقات النمو، وتضمن بعض المعالجات الممكنة لتجاوز تلك النتائج الكارثية على اقتصاديات الدول الريعية عموماً، وخاصة السعودية، كونها أكبر دولة ريعية مؤثرة على عموم أسواق الطاقة العالمية استهلاكاً وإنتاجاً وبالتالي نمواً وتسعيراً كاملاً.
عجز متصاعد
وعلى الرغم من كل البذخ الملَكي والإسراف والإهدار المليوني لمعشر الأمراء والأميرات وخاصتهم، وبرغم كل العطايا والهبات السخية لشراء المواقف وانتزاع الولاءات من المنظمات الإقليمية والدولية، الصديقة والشقيقة، وكذلك وسائل الإعلام والشخصيات المؤثرة، وبرغم كل مسكنات مكافحة العوز والفقر داخل المملكة، فإنّ آخر موازنة سنوية في عهد الملك عبد الله (2014) تُبين تساوي الإيرادات مع النفقات. ومع حساب فائض ميزانية عام 2013، فإنّ مجموع تقدير الإيرادات قد بلغ وقتها حوالي 246 مليار دولار، أما إجمالي متوقع النفقات بنوعيها التشغيلي والاستثماري فبلغت حدود 218 مليار دولار. وحينها بعث الملك برسالة إلى مجلس الوزراء يحثهم فيها على إقرارها قائلاً بأنها تخدم الدين والوطن والشعب وكل من يطلب يد العون. وبعد مرور شهرين من تولي الملك سلمان للحكم (آذار/ مارس 2015)، انقلبت الأرقام. ليس فقط أرقام أسعار النفط التي بلغت مستويات تصل لأقل من نصف أسعاره السابقة، وانقلبت أيضا أرقام التسلّح وأرقام تمويل التدخلات السعودية غير المعلَنة في سوريا ولبنان والمعلنة في اليمن، حتى توالت أرقام العجز لتصل في عام 2015 لحدود 98 مليار دولار، لأن مجموع الإيرادات للعام نفسه كانت بحدود 168 مليار دولار، أما الإنفاق فبلغ 260 مليار دولار. وسيتضخم العجز بعشرة مليارات أخرى إذا استمرت حالة التورط الحربي المباشر وغير المباشر، إضافة لحالة البذخ الفاحش في تبديد الثروة في وقت تزداد فيه نسب البطالة والفقر بين فئات واسعة من مواطني المملكة!
الأمير الصغير ملك غير متوج
الأمير محمد بن سلمان من مواليد 1985، عيّنه والده الملك سلمان ولي ولي العهد بعد أن أزاح ولي العهد الأول الأمير مقرن بن عبد العزيز (وهو يمنيّ الأم) وجعل من الأمير محمد بن نايف وليّاً أول للعهد، وكل هذا مقدمة منه أولاً لحسم التنافس بين أجنحة العائلة المالكة لصالح جناح السديريين الذي ينحدر منه الملك سلمان وابن أخيه وولي عهده الأمير محمد بن نايف ومن ثم ابنه كولي ثانٍ للعهد، وثانياً لتهيئة الظروف ليكون ابنه ربما الملك القادم حتى ولو على حساب ولي العهد الأول الأمير محمد بن نايف. وعليه نجد أغلب قرارات الملك سلمان التوظيفية تصب مباشرة بهذا الاتجاه، فحصر بيد ابنه أهم الصلاحيات والمناصب، بينما لا يتمتع بخبرات سابقة وهناك من الأمراء من هو أجدر منه خبرة ودراية وتحصيلاً علمياً: وزير الدفاع، نائب ثان لرئيس الوزراء، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، رئيس المجلس الأعلى لشركة الزيت العربية السعودية المسؤولة عن أرامكو وتوابعها، وهو عملياً المشرف الأعلى على صندوق الاستثمارات العامة.. لقد سيطر الأمير محمد بن سلمان عملياً على القوة والمال، فمن يتولى وزارة الدفاع يكون ملكاً لأنه سيجعل ولاء الوزارة له، وبالتالي القوة الضاربة بيده إلى جانب الدجاجة التي تبيض ذهباً، على حد قول أحمد زكي يماني وزير النفط الأسبق، أي حرية التصرف بالريع النفطي ومشتقاته، خاصة وأن أرامكو لا تخضع لإشراف وزارة المالية ولا وزارة البترول والمعادن، وإنما هي مؤسسة شبه مستقلة، لا رقابة مباشرة على مردودات ريعها.. والأمير نفسه يرأس أهم مجلس جامع لكل هذه التشكيلات وبشخصه فقط يتم الربط بينها أو تشبيكها: مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية والذي تتبع له وزارات البترول والمالية والتخطيط، إضافة إلى مؤسسة النقد العربي السعودي، وصندوق الاستثمارات العامة المشرف أساسا على تمويل المشاريع الكبرى والإستراتيجية في المملكة، كمد الأنابيب ومعامل البتروكيمياويات والمدن الصناعية والموانئ النفطية ومشاريع توسعة الحرمين الشريفين.. أي أنه يملك أن يمول حروباً من ريوع غير مرئية، وهو لوحده من يملك حق البتّ بصرفها، وهكذا بالنسبة للعمولات التسليحية أو الإنشائية. وليس بمستغرَب أن يكون الأمير بعد سنتين أو ثلاث أغنى أغنياء العالم، وإن دخلت المملكة بجلالة قدرها مرحلة الإفلاس غير المعلن!
من أخوات أرامكو: البنك المركزي السعودي
أرامكو هي دولة داخل دولة، وهي أهم مركز فعلي لصنع القرار في السعودية. من خلال أرامكو يتم وضع السياسات النفطية واستثماراتها الداخلية والخارجية، وهي عبارة عن مجموعة شركات أخطبوطية يجمعها بقاء الحال على ما هو عليه في المملكة لأنه مثالي لجني الأرباح الفلكية والتحكم بالسيولة النقدية والنفطية، ويسعى لاستبقاء التسيد الدولاري عالمياً بكفالة النفط السعودي. ليست أرامكو مختصة فقط بالاستثمارات النفطية والغازية، التي لا تعطى الأفضلية فيها إلّا للشركات الأمريكية مثلما حصل مع شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا، والتي تستثمر بحدود 8.5 مليار دولار بحقول الغاز المصاحب. فهناك مشاريع إنشائية كبرى، وهناك 20 في المئة من المستوردات المدنية أمريكية الصنع، وهناك ما يزيد عن 250 شركة أمريكية تتقاسم العقود في معظم المجالات الحيوية، كالدفاع والكهرباء والبترول والحديد والبتروكيمياويات.
عام 1952 تم إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما ــ «البنك المركزي السعودي») في عهد الملك عبد العزيز مؤسس المملكة القائمة حالياً، وبأمر منه، بعد أن اطلع على نصائح وإرشادات ومشورة القائمين على بيع النفط وطرق تسديد حصة المملكة من ريعه. جرى تبنّي فكرة البنك السعودي. وكان يغلب على هذا التطور الاستشاري تكامل فكرة تسييد طابع البترودولار كمعادل مضمون يلبي كل الاحتياجات التبادلية والاستعمالية، وإن كان الريال هو النقد المحلي الرسمي فلا ضير ما دام النفط لا يباع للمستهلكين على اختلاف عملاتهم إلّا بالدولار. وعليه تم احتواء ميول الملك عبد العزيز الراغبة بالعملات التي تحمل قيمها بذاتها، أي العملات الذهبية والفضية، لأن الناس في المملكة تعودوا على المسكوكات وهي لا تبور وغير معرضة للتلف كالأوراق النقدية.. وكانت فكرة الريال الورقي وعشرية تقسيماته التي تحمل صورة الملك ومسكوكاته المعدنية التي ستوحد التعاملات التجارية داخل المملكة وتركز هيبة الدولة وملكها بين الرعية، مقنعة، خاصة وأن فترة الخمسينيات شهدت تمايزاً وتباهياً بشعارات ورسوم الدول المحيطة والمنعكسة في عملاتها المحلية، فالدينار العراقي حل محل الليرة العثمانية والجنيه الاسترليني والليرة السورية وكذلك الجنيه المصري.. وهكذا بدأت السعودية مشوارها مع العملة المحلية الموحدة التي تحمل صور الملك المؤسس. أول محافظ لمؤسسة النقد العربي السعودي هو جورج بلوارز، وهو مهني اقتصادي أمريكي الجنسية استمر بمنصبه حتى عام 1954، حيث تولى المنصب موظف أمريكي آخر (رالف ستاندش) وكان نائبا للأول، واستمر بمنصبه كمحافظ لـ «ساما» حتى عام 1958. وفي 1974 عين عبد العزيز القريشي كأول سعودي لمنصب محافظ البنك المركزي السعودي.
لا بيع سندات «ساما» بمقدار 15 مليار دولار ستكفي، ولا السحب الشهري لعشرات المليارات من دولارات الاحتياطي النقدي ستكفي، ولا بيع المطارات وخصخصتها يكفي، ولا رفع الدعم الحكومي عن أسعار الكهرباء والبنزين، ولا فرض ضرائب دخل على الأفراد.. لان متطلبات الإنفاق الفاسد لا تنتهي إلا بانتهاء العمر الافتراضي للقائمين عليه.
باحث من العراق مختض بشؤون الخليج العربي

انسحاب «القاعدة» من المنصورة: «التحالف» يوزع الأدوار؟



لقمان عبدالله/ الاخبار اللبنانية 17 مارس 2016
أثبتت عوامل عدة أن التحالف السعودي ليس بوارد قتال «القاعدة» في الوقت الراهن برغم إعلانه إطلاق مرحلة جديدة من الخطة الأمنية الخاصة بعدن، لمكافحة التنظيم المنتشر في أجزاء واسعة من المدينة، في وقت توصّلت فيه السلطة المحلية في عدن إلى اتفاق مع «القاعدة» يقضي بانسحاب الأخير من المنصورة
قبل نحو أسبوع، أطلق التحالف السعودي ما سماها «المرحلة الثانية من الخطة الأمنية في عدن»، حيث بدأت المجموعات المسلحة المؤيدة له بقتال تنظيم «القاعدة» في منطقة المنصورة في المدينة الجنوبية.
منذ ذلك الحين أثيرت تساؤلات عن حقيقة توجه قوات «التحالف» ومسلحيه إلى محاربة التنظيم المتطرّف بعد سنة من غضّ النظر عن اتساع نفوذه في الجنوب، حيث بات يسيطر على أجزاء واسعة ضيّقت حتى مساحة حضور القوات الاماراتية والعربية التابعة لـ«التحالف».
إلا أن أنباءً عن اتفاق جديد أُبرم أمس بين السلطة المحلية في مديرية المنصورة وقيادات في «القاعدة»، أزال الالتباس الذي خلفته المواجهات بين الطرفين، موضحاً أن انتقال قوات «التحالف» إلى المواجهة المسلحة مع «القاعدة» غير وارد على الأقل في الوقت الراهن. ويقضي الاتفاق بانسحاب عناصر التنظيم إلى مناطق أخرى، فيما تتولى «المقاومة الجنوبية» مهمات حفظ الأمن في المديرية.
وعلى غرار ما جرى في المكلا قبل نحو سنة حين تسلّمت السلطة المحلية مرافق حكومية من «القاعدة»، أبرز ما جرى في عدن «التعاون» بين الطرفين إلى الواجهة.
وكانت أصوات القيادات المحسوبة على «التحالف» قد تخلّت منذ مدة عن اتهام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالوقوف خلف «القاعدة»، معترفةً بـ«ائتلاف الضرورة» بين «التحالف» و«القاعدة» الذي أملاه وجود «عدو مشترك» («أنصار الله» وقوات صالح)، على حد تعبيرهم. وأشار بعض هؤلاء إلى أن الأسلحة الثقيلة والآليات العسكرية والذخائر التي جرى تسليح القوات اليمنية الموالية لـ»التحالف» بها، وصلت أخيراً إلى أيدي «القاعدة»، إضافة إلى كون المرافق التي استولى عليها التنظيم قد وفرت مردوداً مالياً يعد الأهم في الجنوب اليمني، الأمر الذي فاقم من تمدد التنظيم وقوّى بنيته.
خلال الأشهر الستة من سيطرة «التحالف» على المحافظات الجنوبية، استفاد تنظيم «القاعدة» من استمرار المعارك التي خاضها «التحالف» ضد الجيش و«اللجان الشعبية» انطلاقاً من مناطق الجنوب التي كان فيها رأس الحربة في المواجهة والحضور الكثيف على الجبهات مراكماً من قدرته وانتشاره.
قبل التفكير في قتال «القاعدة» على «التحالف» ترتيب بيته الداخلي
وبقيت الأدبيات السياسية والإعلامية لـ«التحالف» ومؤيديه حتى الأمس القريب تتجاهل وجود تنظيم «القاعدة» على الأرض، مسلطةً الضوء على عدو واحد هو الجيش و«اللجان الشعبية»، ومتعاميةً عن كون التنظيم يمثل خطراً مستقبلياً على الجميع. لم تتعلم السعودية من تجاربها مع «القاعدة» في أفغانستان والعراق، مكررةً التجربة نفسها في اليمن برغم الإشارات العديدة على أن «القاعدة» هو من يستثمر في ظل عدوانها.
حاولت السعودية إظهار أنها تقاتل «القاعدة»، فيما يصعب تصديق ذلك في ظل تكليف الإمارات مهمة ضرب «القاعدة» في الجنوب، في معركة تفوق حجمها وقوتها، والتلاقي مع التنظيم على مواجهة «أنصار الله». وكان هذا التلاقي قد برز على أكثر من جبهة من ميدي شمالاً إلى تعز جنوباً، حيث نعى الطرفان قبل أيام قتلاهم في المعركة نفسها غربي المحافظة.
لم تتخذ السعودية قراراً بمواجهة «القاعدة» لأسباب عدة، أولها فكرية وثانيها العقلية المتحكمة في إدارة العدوان المسكونة بهواجس تاريخية وسياسية وإقليمية، إلى جانب الاستعلاء الذي يعمي بصيرة قادته عن رؤية الأخطار المحدقة بهم.
كذلك، فإن أي قرار بمواجهة تنظيم «القاعدة» في الجنوب يلزم «التحالف» الكثير من العمل بعد فك الارتباط، كما إن أبسط مقومات القضاء على التنظيمات المتطرفة يستدعي ترتيب البيت الداخلي لـ«التحالف» الذي تتجاذبه الصراعات والنزاعات والاستغلال المناطقي والحزبي، فكانت أولى نتائج الاشتباكات التي شهدتها المنصورة هو الخشية من ارتماء قبائل «يافع» (التي تعد خزاناً بشرياً مؤثراً في الجنوب) في أحضان «القاعدة». ويتهم زعيم القبيلة عبد الناصر بعوه الملقب بـ«أبو همام اليافعي» الذي قتل شقيقه عبد الرحمن في المنصورة مع «القاعدة» بضربة جوية قبل أيام، بعلاقة بالتنظيمات المتطرفة، ما سيكون له تأثيرات مستقبلية على خريطة التحالفات في الجنوب، في ظل الخشية من تحول الصراع بين قبائل يافع وقبائل الضالع على النفوذ في عدن. ويبقى الصراع المفتوح بين الامارات وحزب «الإصلاح» (الاخوان المسلمين) مانعاً قوياً من ترتيب الوضع الداخلي وتوحيد قوى «التحالف» في جبهة واحدة لقتال التنظيم المتطرف. ولا يوجد أي مؤشر على قدرة الإمارات على التكيف مع وجود «الإصلاح» الذي يستفيد من التناقضات بين الأطراف، فضلاً عن خلافه مع الحراك الجنوبي بكل فصائله، برغم تمكنه من استمالة بعض قادته بالمصالح النفعية من دون استمالة قاعدته الشعبية.

كيف صوبت السعودية أخطر سلاح إلى نفسها؟



 (روسيا اليوم/ نيويورك تايمز)
سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الضوء على الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في نصف القرن الماضي مسخّرة النفط كسلاح لخدمة مصالحها.
وأفادت الصحيفة الأمريكية "نيويورك تايمز" في مقال عنونته بـ "كيف صوبت السعودية أخطر سلاح إلى نفسها" الذي نشرته يوم السبت 12 مارس/آذار، أن النفط كان رهينة دولة واحدة فقط هي السعودية، إلا أنه خرج عن سيطرتها عندما استخدمته للمرة الأخيرة في خريف 2014.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن المملكة استخدمت سلاحها النفطي لحسم الخلاف مع إسرائيل أثناء حرب أكتوبر/تشرين الثاني عام 1973 ، حيث أوقفت السعودية وبشكل مفاجئ توريد شحنات النفط للولايات المتحدة ردا على دعمها لإسرائيل ، ما أدى إلى ارتفاع سعر برميل النفط 4 أضعاف ما كان عليه، وهو ما أسفر عن ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة بالغرب وزيادة معدل البطالة وتنامي السخط الإجتماعي.
ووفقا للصحيفة قال وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر ردا على الإجراء السعودي :" لوكنت الرئيس لأجبرت العرب على ضخ النفط". إلا أن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في ذلك الوقت لم يكن يجرؤ على أن يملي إرادته على السعوديين.
واعتبرت الصحيفة أن سلاح النفط السعودي ظل مؤثراً منذ بدء استخدامه وحتى عام 2014، حين انقلب السحر على الساحر وانخفض السعر أكثر من المتوقع، وتأتي فعاليته هذه المرة من كونه حقق أهدافه في توجيه ضربات موجعة لكل من إيران وروسيا، ولكن الفارق أنه خرج عن السيطرة هذه المرة بنزوله تحت حاجز 60 دولاراً للبرميل، ما أصبح تهديداً حقيقياً للسعودية ودول الخليج الأخرى، إضافة إلى عدد من منتجي النفط العالميين كنيجيريا وفنزويلا التي وصل التضخم فيها بسبب الأزمة إلى 720%.
وبحسب الصحيفة فإن الحروب النفطية للقرن 21 قد بدأت، معتبرة أن أزمة النفط الحالية ناتجة عن السياسات الإقليمية وليس عن تقلبات العرض والطلب في السوق، مشيرة إلى أن الحروب الحالية لا تشكل خطرا على اقتصاد الغرب، كونه لا يشكل هدفا رئيسا للسعوديين.
كيف تحارب الرياض طهران نفطيا؟
عرضت "نيويورك تايمز" وجهة نظرها في هذه المسألة مبينة أنه في عام 2006 حذر نواف عبيد، الذي شغل حينها منصب المستشار العسكري السعودي، حذر الرياض من استراتيجية خفض أسعار النفط لخنق الاقتصاد الإيراني، وبعد ذلك بعامين عاود السعوديون الكرّة لشل قدرة طهران على دعم"الميليشيات الشيعية" في العراق ولبنان وأماكن أخرى.
وأضافت الصحيفة أنه في عام 2011 أخبر رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل مسؤولي الناتو أن الرياض مستعدة لإغراق السوق بالنفط لإثارة القلاقل داخل إيران. وبعد مرور3 سنوات على ذلك، قام السعوديون بتوجيه الضربات مرة تلو الأخرى ليس فقط لإيران بل لكل أعدائهم السياسيين أو منافسيهم العالميين في السوق النفطية، وذلك من خلال زيادة الإنتاج، وهذا ما فعلوه أيضا لخفض أسعار النفط الصخري الأمريكي المنافس الأول للهيمنة النفطية السعودية في العالم.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه السياسة أطاحت بشاه إيران عام 1977 بعدما أغرقت السعودية السوق بالنفط لكبح جماح النفوذ الإيراني، ومضت الصحيفة قائلة: بالتأكيد كانت هناك الكثير من الأسباب الأخرى الأكثر أهمية في الثورة الإيرانية، ولكنه(إغراق السوق) كان أحد العوامل التي ساهمت في زعزعة الحكم قبل أن يطيح به آية الله الخميني مستبدلاً النظام الملكي الموالي للغرب بدولة دينية بالكامل. بناءً على هذا الطرح، يمكن القول إن معركة سوق النفط كانت سبباً في صعود الإسلام السياسي.
النفط السعودي يطيح بالاتحاد السوفيتي
وبحسب "نيويورك تايمز" فإن البلدان المنتجة للنفط كالاتحاد السوفيتي لا تحظى بتنوع كبير لمصادر الدخل الاقتصادي، بل يمثل النفط قاعدة كبرى في اقتصادها، وتقوم ميزانياتها بالأساس على عدم إنخفاض سعر النفط تحت مستوى معين، وإن انخفضت الأسعار عن هذا الحد، حالا يلوح الانهيار الاقتصادي في أفقها. وهذا ما أراده السعوديون بالضبط للضغط على روسيا وإضعاف قدرتها على دعم حلفائها في العراق وسوريا.
ونوّهت الصحيفة الأمريكية إلى أن أسعار النفط أنهت الحرب الباردة، حيث كان الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت قوة شيوعية عظمى ومنتجاً أساسياً للنفط يعتمد اقتصاده على عائدات كل من النفط والغاز. إلى أن قررت المملكة في عامي 1985-1986، إغراق الأسواق بالنفط والذي يشير البعض إلى كونه جاء بتوجيهات من إدارة "ريغان" في واشنطن حينها، والتي أدت بدورها إلى انهيار الأسعار، مما ترك الاقتصاد السوفيتي يعاني من فوضى كبرى.
وسبق للخبير الاقتصادي الروسي إيغور غايدار قد كتب: "يمكننا أن نعيد الخط الزمني لانهيار الاتحاد السوفيتي إلى 13 سبتمبر 1985، حين أعلن وزير البترول السعودي الأسبق، الشيخ أحمد بن زكي يماني، أن السعودية قد قرّرت تغيير سياساتها النفطية بشكلٍ جذري".
السعودية تعيد الكرّة وتوجه سلاحها إلى روسيا
يعتمد نصف الدخل القومي الروسي في الوقت الراهن على عائدات النفط والغاز، ومع انخفاض أسعار النفط حالياً إلى 40 دولاراً للبرميل، وانخفاض السعر تحت معدل 30 دولاراً مرتين هذا العام، نرى السيناريو يتكرر، وكما يظن ميخائيل ديميتريف، نائب وزير التنمية الاقتصادية والتجارة الروسي السابق، فقد وصلت قيمة التضخم في البلاد إلى أرقام غير مسبوقة العام الماضي، كما استنزفت ما يسمى بصندوق الثروة السيادية بحسب الصحيفة.
تأثر الدول المنتجة للنفط
فنزويلا من أكثر الدول التي تأثرت بانخفاض أسعار النفط إذ يمثل الذهب الأسود 95% من قيمة صادراتها، ومع توقعات صندوق النقد الدولي أن يبلغ حجم التضخم 720% فإن فنزويلا ستصبح تقريبا دولة بلا اقتصاد وسيحشر الرئيس الفنزويلي في زاوية ضيقة قد ترمي به إلى الهاوية.
نيجيريا أيضا دولة عصفت بها أزمة النفط لاسيما أن الدولة تقع تحت ضغط محاربة جماعة "بوكوحرام" الإرهابية التابعة لداعش ، وهذا أيضا ينطبق على بعض دول آسيا الوسطى مثل كازاخستان وأذربيجان اللتين تسعيان إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي.
العراق أيضا تأثر بشكل كبير وتراجعت قدرته على محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، في حين عانت دول خليجية كقطر والإمارات من خسائر قدرت بنحو 360 مليار دولار من قيمة صادراتها العام الماضي، وأكدت الصحيفة أن الوضع الراهن سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في جميع الدول التي تشارك بالحرب على سوريا واليمن .
هل ستتأثر السعودية نفسها؟
بـ"نعم" ستتأثر، أجابت "نيويورك تايمز" والسبب أن المسؤولين في السعودية لم يتوقعوا على الإطلاق أن تنخفض أسعار النفط تحت 60 دولاراً للبرميل، ولم يتوقعوا أن تفقد البلاد سيطرتها على السعر، على الرغم من كونها أكبر منتج داخل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك".
على الجانب الآخر، كان صندوق النقد الدولي قد حذّر من أن السعودية قد تواجه الإفلاس بحلول عام 2020 إذا لم تتحكم في الإنفاق الحكومي بشكل مناسب. ففي مشهد غير معتاد تسعى السعودية، التي تعتبر صاحبة أكبر احتياطي من الذهب الأسود في العالم، إلى اقتراض مليارات الدولارات من جهات أجنبية حالياً، وزادت من خططها التقشفية.
وطرحت الصحيفة العديد من التساؤلات عن قدرة الملك السعودي على تحمل أعباء الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما وأنه يواجه جبهتين كبيرتين في الوقت ذاته، وهو ما لم تتمكن منه أي دولة نفطية سابقاً.
في الوقت نفسه، تحررت إيران من العقوبات الدولية الأمر الذي يضيف مصدراً جديداً للنفط في السوق العالمي الذي فقدت الرياض السيطرة عليه بالفعل لما يسود فيه من حالة عدم الاستقرار والمتاعب الاقتصادية الراهنة ، ويبقى الجانب الرئيسي في القضية هو كيف تأذّى السعوديون من سلاحهم.