Translate

السبت، 19 مارس 2016

العروبة بين عرب الحداثة وأعراب التبعية

زياد منى/ عربي برس 18 مارس 2016
في الوقت الذي تتناقل فيه وكالات الأنباء تزايد تعرض اللاجئين السوريين لاضطهاد عصابات اليمين المتطرف في أوروبا الذي لا يملك شيئاً سوى أنه أبيض البشرة، تأكد تعرض النساء والأطفال وحتى الرجال للتحرش الجنسي في مخيمات اللاجئين ومراكز الإيواء حيث اضطرت الحرائر للنوم في خيام مشتركة مع الرجال، وأجبرن على استعمال المراحيض المشتركة مع الرجال، والاستحمام في حمامات مشتركة مع الرجال، وعلى خلع ملابسهن، للاستحمام، تحت أعين الحراس المتلصصة في مراكز الإيواء وإداراتها.
إضافة إلى ذلك تناقلت منظمات حقوق الإنسان أخبار «فقدان» أكثر من عشرة آلاف طفل في درب الآلام الممتد من سوريا المنكوبة بحروب الإرهاب، فيها وعليها، إلى غابات أوروبا وأدغالها!
حكام دول الخليج من الأعراب، المتباكين على سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، أغلقوا أبواب البلاد أمام العرب الفارين من الجحيم الذي يمدونه كل يوم بالوقود، المادي والبشري، من بلاد الشام، وغيرها.
سأكون صريحاً معكم كما يجب. عندما يتباكى أعراب الإرهاب على ضحاياهم هم، ويدعون النخوة ليلاً نهاراً، ندعو الجمع للنظر «ليس إلى دموع التماسيح في أعينهم، بل إلى ما ترتكبه أياديهم من ذبح».
عندما اشتبه الأمر على آبائنا وعلى بعض من أهلنا، في بلاد الشام، وظنوا أن مشيخات في الخليج نالت استقلالها من الاستعمار البريطاني، سررنا، كما العرب جميعاً، لحرية أشقاء، ورأينا فيهم عضداً وسوراً حامياً أمام نظام الشاهنشاه عميل الاستعمار وحليف العدو الصهيوني. أهلنا تركوا همومهم الشخصية والوطنية وحياة الرغد في أوطانهم الخضراء، وعوائلهم وممتلكاتهم وأهلهم وأحبائهم، وتدافعوا منطلقين إلى تلك البقاع الصحراوية، المقفرة، متسلحين فقط بإيمانهم القومي المقدس بأن العلم طريق الحياة والتحرر الحقيقي وأن واجبهم القومي العروبي مساعدة أهلهم هناك. همهم الأساس والأول، والأخير، كان مد العون لأخوتهم في العروبة، ولا منة.
لم يعبأوا بحقيقة فقر دول الخليج المادي في تلك الأيام، ولم يكونوا يبحثون عن ثروات في تلك الصحارى... كانوا يعلمون أن الإقليم برية متوحشة، لا يؤمها غير القمل والجمال والبعير والأفاعي والعقارب والجراد.
دول الخليج لم تعرف وقتها أي عمران، وأهلها كانوا يعيشون في مضارب البداة، والأوفر حظاً منهم في بيوت طينية. دول الخليج كانت بلاداً قافرة، تفتقر إلى أسس المدنية والمقومات المادية للحياة العصرية التي كان أهلنا يتمتعون بكثير منها، أو ببعضها، في أوطانهم.
عندما توجه أهلنا إلى الخليح المقفر لدعم أهلنا هناك، حاملين معهم علومهم وفكرهم وحداثتهم، انطلقوا من الفكر العروبي الحق الذي كان دليلهم لحرية أوطانهم وعزتها، وأداة النصر على المحتل.
أهلنا كانوا يعرفون أحوال بلاد الخليج آنذاك، لكنهم لم يكترثوا لذلك لأنهم عدوا مهمتهم قدسية تنويرية حضارية لأخوة لهم في الدم والانتماء والثقافة والتاريخ. فقضوا العمر في تعليم أهلنا، هناك، كل شيء، من الألِف إلى الياء، ولا منة.
دليلهم كان، نشيد بلاد الشام القومي، وما زال:
بلاد العُرب أوطاني
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا
ولا دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا
بغسان وعدنان.
عروبة خالد الذكر جمال عبد الناصر، هي عروبة الشام، عروبة ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق ومحمد عزت دروزة وعبد الرحمن الكواكبي وبطرس البستاني وشكيب أرسلان... عروبة مقاومة الاستعمار لا أعرابية الأعراب المستجدية حمايته بل وحتى حُكمه.
عروبة العرب تعني التقدم والحرية والقضاء على التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية والروحية للاستعمار وما خلقه من تخلف وجهل وقواعد عسكرية وطبقات طفيلية تتحكم بمقادير شعوبنا.
عروبة الشام وخالد الذكر قضت على الإقطاع وأعادت توزيع الأراضي على الفلاحين وحررتهم من القنانة التي كانوا يخضعون لها، وقضت على سلطة العوائل التي مكنتها عمالتها للاستعمار من التحكم بالأوطان. أهلنا العرب العروبيون حقاً أحبوا أوطانهم فقدموا من أجل حريتها الغالي والنفيس، حتى عندما لم كانوا يعرفون أن الهزيمة ستلحق بهم. القادة الكبار من شيخ شهداء فلسطين عبد القادر الحسيني في القسطل، إلى شيخ شهداء سوريا يوسف العظمة، مثال ناصع على معنى العروبة وحب الوطن. عدوه المستعمر الفرنسي كان أقوى من جمعه البطل بما لا يقاس، لكنه قاوم واستشهد هو وكل رفاقه المحاربين في موقعة ميسلون. فصاروا مخلدين في عقول أبناء أمتنا، ولا يزالون بيننا، وحجزوا لأنفسهم أمكنة في سجل الخالدين فاستحالوا أمثولة الكرامة والإباء ولعشق الحرية في وعي شعوب أمتنا وقلوبها.
أولئك الشهداء وكل رفاقهم في كل بلاد العرب، لم يفروا، بلمح البصر، تاركين «شعوبهم» لمصير مجهول، عندما ظهرت بوادر ملامح أقدام جند المعتدي كما فعل بعض طوال العمر.
عروبة العرب قال فيها خالد الذكر، الذي أحبهم، «قلب العروبة النابض». الرئيس جمال عبد الناصر منح عروبة أهل الشام سحر شخصيته الفاتنة، وأثراها بأبعاد جديدة عالمية، مقاوِمة للاستعمارين القديم والحديث في كل بقاع الأرض، بداية من مؤتمر باندونغ فاستحال شخصية عالمية لا تزال شعوب العالم التي كانت مستعمرة، من إندونيسيا والهند شرقاً إلى الكونغو وغينيا غرباً، تذكره إلى يومنا وتحن إليه وإلى ما مثله من كبرياء ومثل إنسانية علياً.
جمال عبد الناصر، وكل أهلنا من بلاد الشام، دعموا نضالات أهل الخليج وعدن واليمن والجزائر وفلسطين، من أجل التحرر والتقدم، وقاوموا، جميعهم، قوى الرجعية المتخلفة من إقطاع وعبودية، ولا منة.
العروبة تعني التصدي لمشاريع الاستعمار كافة من مشروع آيزنهاور وحلف بغداد وحلف السنتو وغيرها من المؤامرات، وتعني المشاركة في حرب الرمال نصرة للجزائر، لجزائر القائد أحمد بن بلّه ولجزائر المغدور الرئيس هواري بومدين صاحب الصرخة الخالدة «أنا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». والعروبة عنت دعم ثورة اليمن ضد نظام الجهل والتخلف.
أعداء العروبة من الأعراب المتحالفين مع الاستعمار والصهيونية تكالبوا عليه لهزيمته. منعوا عن مصر تمويل السد العالي، وحظروا السلاح عن جيشه، ومن ثم العدوان المباشر، العدوان الثلاثي.
العرب وشعوب العالم المضطَهدة، أحبته، وأعداؤه خشوه لكنهم احترموه، لأنه كان مثال الكرامة والعزة والصدق، مع نفسه ومع شعوبنا. والآن، وبعد مضي نصف قرن على رحيله، هاهم العروبيون من كل بقاع الأرض لا يزالون يحنون إليه وإلى ما مثله من كرامة وإباء التي يحاول حكام العصور الحجرية من الأعراب مصاردتها لصالح فكرهم التكفيري المذهبي العصر - حجري.
عروبة الشام التي أثرتها الناصرية، العروبة التقدمية، عروبة المدنية. عروبة أساساتها إرث حضارات تعود بجذورها إلى عشرات القرون. حضارات سومر وبابل وإيبلا وماري وتدمر وصور وصيدا ودمشق وبُصرى وحلب وأوغاريت ومادبا والكرك والبتراء وحتى سبأ وحمير ومعن... والقائمة تطول وتطول وتطول.
أهلنا في الخليج، ممن عاصروا تلك المرحلة من بلادهم لا شك يعرفون ذلك، لكنهم وأصواتهم معتقلة خلف قضبان حكم التخلف والرجعية والتبعية للاستعمار.
فهناك، في الخليج، من أهلنا، حداثيون، يؤمنون بقدرات شعوبهم، وقفوا معادين للاستعمار ومتحدينه، ومعادين لأنظمة التخلف والإقطاع. قاوموا الاستعمارين القديم والجديد ومشاريع التقسيم.
لنتذكر معاً زعماء وطنيين قوميين مخلصين ظهروا في جزيرة العرب. نتذكر الأمراء الأحرار، من الأمراء القوميين الناصريين طلال بن عبد العزيز وعبد المحسن بن عبد العزيز وبدر بن عبد العزيز وفواز بن عبد العزيز وسعد بن فهد. ولنتذكر القادة الوطنيين في عوالم السياسة والحركات العمالية والثقافة والعلم والإبداع، ومنهم المغدور ناصر السعيد وحمد السعيد ومحمد سعيد المسلم ونجيب الخنيزي وحسن الجشي وعبد الله الجشي وعلي الدمني وعبد الرؤوف الخنيزي وإسحق الشيخ يعقوب وعبد العزيز السنيد وعبد المحسن النصر وجعفر النصر وعبد العزيز المعمر، وعبد الرحمن النعيمي، وإبراهيم شريف، والمناضلة الرائدة هدى سالم، وغيرهم الكثيرون من المقاومين والمفكرين الأبطال الذين رفضوا أن تكون جزيرة العرب قاعدة للعدوان على الحداثة والتنوير.
وهل ننسى الطيارين الأبطال من سلاح الجو السعودي والأردني، الذين رفضوا أوامر قصف قوات الثورة اليمنية بقيادة الثائر الراحل عبد الله السلال ورفاقه، وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر عبد الناصر. رفضوا مشاركة العدو الصهيوني وتكفيريي الرياض وعميل واشنطن الشاهنشاهي في ضرب ثورة اليمن.
ولنتذكر في هذا المقام أن تكفيريي جزيرة العرب تحالفوا في ذلك الوقت مع نظام الشاه المخلوع «الرافضي العجمي المجوسي من عبدة النار الكفار» ضد الثورة الفتية في اليمن. وهل ننسى استجدائكم له ليرسل قواته لقمع الثورة في ظفار.
ويتجرأ بعضهم على الكلام عن غزو العدو الفارسي العجمي المجوسي!
كل المناضلين الأبطال آنفي الذكر، ومعهم رفاق كثر مجهولون، حاولوا الأخذ ببلادهم وأهاليهم إلى القرن العشرين فأسسوا الجمعيات والأحزاب والنقابات بل وحتى المكتبات كجزء من النضال الوطني القومي. وشكلوا جمعية العلم للنضال، ولجنة تنشئة الطلاب، واتحاد العمال في السعودية، وجبهة الإصلاح الوطني، وجبهة التحرير الوطني، وجبهة التحرير العربية، واتحاد أبناء الجزيرة العربية، واتحاد شعب الجزيرة العربية والجبهة القومية الديمقراطية والحزب النجدي الثوري، ومع رفاقهم في بلاد الشام شكلوا حركة القوميين العرب في الخليج والجزيرة العربية. ولا ننسى حركة الجبهة الشعبية لتحرير البحرين والجبهة الشعبية لتحرير عُمان، والجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل، وثورة ظفار، وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) التي أسسها المناضل الأسير إبراهيم شريف الذي يعاني مختلف صنوف التعذيب على أيدي مرتزقة نظام البحرين التي احتلها التكفيريون، وجبهة التحرير الوطني البحرانية، وغيرها من التنظيمات الطليعية التي تمثل عروبة العرب وليس أعرابية الحكام الأعراب التي لا تعرف سوى الغزو والنهب والعبودية والسبايا.
أهلنا ما كانوا يظنون أن بعض حكام تلك الشعوب التي ساعدوها على المشي عندما كانت لا تزال تحبو، يعبدون جزّارهم. حكام الأعراب، العالم لا يعرف عنهم سوى التآمر على بعضكم، تآمر الأخ على أخيه، والابن على أبيه، والأب على جده، والضرة على أبناء زوجها، وغير ذلك من التآمر العائلي على عرش بائد ومجد مزعوم، وتتقنون عض اليد التي أطعمتكم وأمسكت بذراعكم عندما كنتم تحبون. بل وصل الأمر أن يبيعوا الأوطان من أجل كرسي لخدمة المستعمر كما فعل ذوو عون وكبير سحرتهم فيصل بن الحسين الذي وقع اتفاق الخيانة مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن... اتفاقية الخيانة لبيع فلسطين مقابل عرش قصبي تابع لدوائر الاستخبارات البريطانية والصهيونية.
عندما انفجرت أسعار النفط، أولاً وقبل كل شيء بفضل تضحيات أهل مصر والشام والعراق في مقارعة العدو الصهيوني، واستحالت مشيخات الصحراء الفقيرة تملك المليارات واشتد عودها اعتماداً على دعم الاستعمارين البريطاني والأميركي، ظهرت حقيقة أولئك الحكام، أكثر من أن تحصى.
ثم يمنون على العروبة بأنهم أطلقوا على هذا المبنى أو تلك الخيمة صفة العرب وهم لم يتجرؤوا أصلاً على تسمية مجلسهم بالخليج العربي.
البقية معروفة. ها هم الحكام الأعراب يرسلون جيوشهم ومن ابتاعوا من مرتزقة العالم من مهربي المخدرات ويستجدون التحالف مع العدو الصهيوني، وليدمروا اليمن وليبيا وسوريا والعراق وللقضاء على قضية العرب الأولى، قضية فلسطين. ومن قبلها ابتعتم ببترودولاراتكم الحركة الوطنية الفلسطينية وحولتموها إلى ميليشيات خانعة في خدمة العدو.
حكام الأعراب ما عادوا يريدون دخول العرب أراضي دولهم حيث رأوا فيهم تهديداً لتسيد رجعيتهم وتخلفهم، لكنهم فتحوا أبوابها لكل من هو ليس بعربي، فاستحالت شعوبها أقلية مهملة في أوطانها بسبب السياسات الحمقاء المعادية للعرب والعروبة، لا تكاد تتقن عملاً ولا تعرف علماً، لذا يصح فيكم قول معن بن أوس:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً
ألقمه بأطراف البنان
جزاه الله من ولد جزاء
سليمة إنه شراً جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما استد ساعده رماني.
المليارات ينفقونها على تدمير اليمن وأهله الذين قال الحديث الشريف فيهم: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين أفئدة وأرق قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية»، و«قوم نقية قلوبهم ولينة طباعهم... الإيمان يمان والحكمة يمانية، هم مني وأنا منهم وهو شرف والله عظيم». وعند البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا (ثلاثًا)... فقالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟ فقال: منه الزلازل والفتن ومنه يطلع قرن الشيطان» رواه البخاري وأحمد والنسائي.
المليارات ينفقها الأعراب لسحق الإنسان وليس للاستثمار في بنائه وبناء مستقبل حقيقي. لم يبنوا شيئاً ولم ينتجوا شيئاً ولا يعرف عنهم سوى كثرة استهلاكهم المقويات الجنسية. تراهم يبعثرون أموال شعوبهم وثرواتها في تسول حماية المستعمر وبناء قواعد لحمايته من شعوبهم، ثم لاستئجار النفوس الضعيفة، جوق تطبيل وتزمير، من مثقفي البترودلار، ومن مفكري البترودولار، المنتفخين عن ورم، المتكرش منهم وغير المتكرش، ممن في عيونهم حول وميل إلى عطايا طوال العمر وفسادهم وإفسادهم! ولاستئجار أقلام الصحارة، صحافة الدعارة، فقط للتغطية على إخفاقاتهم في المجالات كافة. فلا فناً ابتدعوا، ولا فكراً عرفوا، ولا حتى قافية نظموا! فصح القول فيكم: رأيكم فند.
أتظنون أن هذه الجوقات المطبلة لكم تكن لكم أي احترام! المنتفخون أو المتكرشون، بل وحتى من منهم ينافس عارضات الأزياء في باريس وميلانو ونيويورك! بعضهم أو جميعهم، رأيهم، في أولياء نعمهم من المتكرشين والمنتفخين، على شاكلتهم، مدعي العروبة، يتلخص في كلميتن، دالتين: عملاء مزدوجون! لذا، إنكم أنفسكم فقط تخدعون، وكفى هبلاً!
﴿أيحسب أن ماله أخلده﴾. القول يصح فيهم: أيامكم عدد.
عروبة أمتنا التي ولدت في بلاد الشام ولا تزال حية في نفوسنا هي إرث هارون الرشيد صاحب بيت الحكمة، ونخوة المعتصم بالله صاحب عمورة استجابة لصرخة امرأة «وامعتصماه»، وصلاح الدين محرر القدس، وسيف الدين قطز غلاب المغول، والظاهر بيبرس طارد الإفرنج، والعادل عمر بن عبد العزيز، وشهداء لبنان وفلسطين وكل بلاد الشام وشعوب أمة العرب المقاومة وشهيداتهم: من شيخ الشهداء عمر المختار إلى هديل الهشلمون ودايا ارشيد وهديل عواد وبيان عسيلة ورشا عويصي ومرام حسونة وأشرقت طه وسماح أحمد وكلزار العويوي وكل المناضلات والمناضلين الذين تصدوا لعدوان الاستعمار، وما زلوا، والقائمة بطول تاريخ نضالنا ضد العدو من أجل العزة والحرية والكرامة.
عن أي خلود يبحثون!
كتب التاريخ، تتذكر من أنتج علماً وليس من جمع مالاً. تتذكر الجاحظ وابن رشد والفارابي وابن سينا والمتنبي وابن عربي وابن النفيس والرازي وابن حيان والكندي وجابر بن حيان وابن باجة وابن خلدون وابن الهيثم وابن حزم والإدريسي وابن طفيل والتلعفري وأبو الفضل بن نوبخت وابن أثال وسعيد بن ثابت ومنصور بن ساجر سجيون واسطفان بن يعقوب ويوحنا بن ماسويه وعبد المسيح الكندي وآل بختيشوع وإسحق الدمشقي وحنين بن إسحق القبطي والخطاط السرياني ورهبان عمورية، وحنين بن إسحق رئيس بيت الحكمة وشيخ المترجمين النسطوري. تذكر الأقباط الذين أسسوا دار الصناعة في الإسكندرية ودار الصناعة في تونس، والذين ساعدوا في دعم الكعبة عندما أصابها صدع، والذين بهم استعان الوليد بن عبد الملك لبناء المسجد الأقصى في القدس والجامع الأموي في دمشق وإعادة بناء مسجد المدينة المنورة أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز، وجامع ابن طولون صاحب مدينة القطائع قرب الفسطاط، وسيرابيون السكندري ويوحنا النقيوسي.
وتتذكر أيضاً حسداي بن شيروت وصموئيل بن نغريلا وسليمان بن المعلم وأبراهام بن مائير وحنا منسي وموسى بن ميمون وأبراهام الفاسي وثيوفيل بن توما والمنجونيين ومائير الفوادس ويعقوب بن نونز وصموئيل نكريلا ويوسف بن صموئيل وأبو إسحق بن مهجر، وهذه القوائم، جميعها، أيضاً تطول وتطول وتطول.
كتب التاريخ خلدتهم كما قال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: «أقول هنا لمن يفرط... انظر إلى الموتى وتأمل حالهم ومآلهم، فوالله إنه سيأتيك يوم مثل يومهم وسيمر عليك ما مر بهم، ألا فاعتبر واستعد، ولا تغفل ولا تنسى مصيرك ومآلك:
وحيداً فريداً في التراب وإنما قرين الفتى في القبر ما كان يعمل ابحثوا في كتب التاريخ فستجدون في هوامش منسية أحرف أسماء: الكامل والأشرف موسى والصالح إسماعيل والناصر داود والمنصور إبراهيم...
هؤلاء، جميعهم، الذين ناقضت شر أعمالهم ما سطوا عليه من ألقاب، فنصروا الفرنجة على شعوبهم. إنهم فعلوا تماماً كما ارتكبتم من جرائم عندما ساعدتم الاستعمارين الأميركي والبريطاني على إعادة احتلال العراق وتدميره، وعلى احتلال ليبيا وتدميرها وعلى تدمير اليمن ولبنان وسوريا، ومن قبل ذلك عندما بعتم فلسطين للعدو الصهيوني، ومرة أخرى القائمة تطول وتطول.
لكن أين جزركم الثلاثة المحتلة!
إنها لا تبعد سوى أمتار قليلة عن «شواطئكم»، فأين بطولاتكم المزعومة من «الرافضي الكافر المحتل العجمي المجوسي من عبدة النار»!
وفيكم يصح أيضاً القول: ألا فإن جمعكم بدد.
على أي حال، القدس ويافا وغزة ودمشق وحلب وبيروت وصيدا وصور وبغداد وسامراء والموصل وغيرها من مراكز بلاد الشام الحضارية التي يتغنى بها العالم وتبهر البشرية إلى يومنا هذا، عاشت وأهلها آلاف السنين من دون بترودولاراتهم، المغمسة أصلاً بدماء شهدائنا.
أما مالكم فزبد.
أيها الأعراب، التنزيل المبارك قال كلمته فيكم، وهي تلصق بكم إلى يوم الدين.

العروبة بين عرب الحداثة وأعراب التبعية

زياد منى/ عربي برس 18 مارس 2016
في الوقت الذي تتناقل فيه وكالات الأنباء تزايد تعرض اللاجئين السوريين لاضطهاد عصابات اليمين المتطرف في أوروبا الذي لا يملك شيئاً سوى أنه أبيض البشرة، تأكد تعرض النساء والأطفال وحتى الرجال للتحرش الجنسي في مخيمات اللاجئين ومراكز الإيواء حيث اضطرت الحرائر للنوم في خيام مشتركة مع الرجال، وأجبرن على استعمال المراحيض المشتركة مع الرجال، والاستحمام في حمامات مشتركة مع الرجال، وعلى خلع ملابسهن، للاستحمام، تحت أعين الحراس المتلصصة في مراكز الإيواء وإداراتها.
إضافة إلى ذلك تناقلت منظمات حقوق الإنسان أخبار «فقدان» أكثر من عشرة آلاف طفل في درب الآلام الممتد من سوريا المنكوبة بحروب الإرهاب، فيها وعليها، إلى غابات أوروبا وأدغالها!
حكام دول الخليج من الأعراب، المتباكين على سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، أغلقوا أبواب البلاد أمام العرب الفارين من الجحيم الذي يمدونه كل يوم بالوقود، المادي والبشري، من بلاد الشام، وغيرها.
سأكون صريحاً معكم كما يجب. عندما يتباكى أعراب الإرهاب على ضحاياهم هم، ويدعون النخوة ليلاً نهاراً، ندعو الجمع للنظر «ليس إلى دموع التماسيح في أعينهم، بل إلى ما ترتكبه أياديهم من ذبح».
عندما اشتبه الأمر على آبائنا وعلى بعض من أهلنا، في بلاد الشام، وظنوا أن مشيخات في الخليج نالت استقلالها من الاستعمار البريطاني، سررنا، كما العرب جميعاً، لحرية أشقاء، ورأينا فيهم عضداً وسوراً حامياً أمام نظام الشاهنشاه عميل الاستعمار وحليف العدو الصهيوني. أهلنا تركوا همومهم الشخصية والوطنية وحياة الرغد في أوطانهم الخضراء، وعوائلهم وممتلكاتهم وأهلهم وأحبائهم، وتدافعوا منطلقين إلى تلك البقاع الصحراوية، المقفرة، متسلحين فقط بإيمانهم القومي المقدس بأن العلم طريق الحياة والتحرر الحقيقي وأن واجبهم القومي العروبي مساعدة أهلهم هناك. همهم الأساس والأول، والأخير، كان مد العون لأخوتهم في العروبة، ولا منة.
لم يعبأوا بحقيقة فقر دول الخليج المادي في تلك الأيام، ولم يكونوا يبحثون عن ثروات في تلك الصحارى... كانوا يعلمون أن الإقليم برية متوحشة، لا يؤمها غير القمل والجمال والبعير والأفاعي والعقارب والجراد.
دول الخليج لم تعرف وقتها أي عمران، وأهلها كانوا يعيشون في مضارب البداة، والأوفر حظاً منهم في بيوت طينية. دول الخليج كانت بلاداً قافرة، تفتقر إلى أسس المدنية والمقومات المادية للحياة العصرية التي كان أهلنا يتمتعون بكثير منها، أو ببعضها، في أوطانهم.
عندما توجه أهلنا إلى الخليح المقفر لدعم أهلنا هناك، حاملين معهم علومهم وفكرهم وحداثتهم، انطلقوا من الفكر العروبي الحق الذي كان دليلهم لحرية أوطانهم وعزتها، وأداة النصر على المحتل.
أهلنا كانوا يعرفون أحوال بلاد الخليج آنذاك، لكنهم لم يكترثوا لذلك لأنهم عدوا مهمتهم قدسية تنويرية حضارية لأخوة لهم في الدم والانتماء والثقافة والتاريخ. فقضوا العمر في تعليم أهلنا، هناك، كل شيء، من الألِف إلى الياء، ولا منة.
دليلهم كان، نشيد بلاد الشام القومي، وما زال:
بلاد العُرب أوطاني
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا
ولا دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا
بغسان وعدنان.
عروبة خالد الذكر جمال عبد الناصر، هي عروبة الشام، عروبة ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق ومحمد عزت دروزة وعبد الرحمن الكواكبي وبطرس البستاني وشكيب أرسلان... عروبة مقاومة الاستعمار لا أعرابية الأعراب المستجدية حمايته بل وحتى حُكمه.
عروبة العرب تعني التقدم والحرية والقضاء على التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية والروحية للاستعمار وما خلقه من تخلف وجهل وقواعد عسكرية وطبقات طفيلية تتحكم بمقادير شعوبنا.
عروبة الشام وخالد الذكر قضت على الإقطاع وأعادت توزيع الأراضي على الفلاحين وحررتهم من القنانة التي كانوا يخضعون لها، وقضت على سلطة العوائل التي مكنتها عمالتها للاستعمار من التحكم بالأوطان. أهلنا العرب العروبيون حقاً أحبوا أوطانهم فقدموا من أجل حريتها الغالي والنفيس، حتى عندما لم كانوا يعرفون أن الهزيمة ستلحق بهم. القادة الكبار من شيخ شهداء فلسطين عبد القادر الحسيني في القسطل، إلى شيخ شهداء سوريا يوسف العظمة، مثال ناصع على معنى العروبة وحب الوطن. عدوه المستعمر الفرنسي كان أقوى من جمعه البطل بما لا يقاس، لكنه قاوم واستشهد هو وكل رفاقه المحاربين في موقعة ميسلون. فصاروا مخلدين في عقول أبناء أمتنا، ولا يزالون بيننا، وحجزوا لأنفسهم أمكنة في سجل الخالدين فاستحالوا أمثولة الكرامة والإباء ولعشق الحرية في وعي شعوب أمتنا وقلوبها.
أولئك الشهداء وكل رفاقهم في كل بلاد العرب، لم يفروا، بلمح البصر، تاركين «شعوبهم» لمصير مجهول، عندما ظهرت بوادر ملامح أقدام جند المعتدي كما فعل بعض طوال العمر.
عروبة العرب قال فيها خالد الذكر، الذي أحبهم، «قلب العروبة النابض». الرئيس جمال عبد الناصر منح عروبة أهل الشام سحر شخصيته الفاتنة، وأثراها بأبعاد جديدة عالمية، مقاوِمة للاستعمارين القديم والحديث في كل بقاع الأرض، بداية من مؤتمر باندونغ فاستحال شخصية عالمية لا تزال شعوب العالم التي كانت مستعمرة، من إندونيسيا والهند شرقاً إلى الكونغو وغينيا غرباً، تذكره إلى يومنا وتحن إليه وإلى ما مثله من كبرياء ومثل إنسانية علياً.
جمال عبد الناصر، وكل أهلنا من بلاد الشام، دعموا نضالات أهل الخليج وعدن واليمن والجزائر وفلسطين، من أجل التحرر والتقدم، وقاوموا، جميعهم، قوى الرجعية المتخلفة من إقطاع وعبودية، ولا منة.
العروبة تعني التصدي لمشاريع الاستعمار كافة من مشروع آيزنهاور وحلف بغداد وحلف السنتو وغيرها من المؤامرات، وتعني المشاركة في حرب الرمال نصرة للجزائر، لجزائر القائد أحمد بن بلّه ولجزائر المغدور الرئيس هواري بومدين صاحب الصرخة الخالدة «أنا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». والعروبة عنت دعم ثورة اليمن ضد نظام الجهل والتخلف.
أعداء العروبة من الأعراب المتحالفين مع الاستعمار والصهيونية تكالبوا عليه لهزيمته. منعوا عن مصر تمويل السد العالي، وحظروا السلاح عن جيشه، ومن ثم العدوان المباشر، العدوان الثلاثي.
العرب وشعوب العالم المضطَهدة، أحبته، وأعداؤه خشوه لكنهم احترموه، لأنه كان مثال الكرامة والعزة والصدق، مع نفسه ومع شعوبنا. والآن، وبعد مضي نصف قرن على رحيله، هاهم العروبيون من كل بقاع الأرض لا يزالون يحنون إليه وإلى ما مثله من كرامة وإباء التي يحاول حكام العصور الحجرية من الأعراب مصاردتها لصالح فكرهم التكفيري المذهبي العصر - حجري.
عروبة الشام التي أثرتها الناصرية، العروبة التقدمية، عروبة المدنية. عروبة أساساتها إرث حضارات تعود بجذورها إلى عشرات القرون. حضارات سومر وبابل وإيبلا وماري وتدمر وصور وصيدا ودمشق وبُصرى وحلب وأوغاريت ومادبا والكرك والبتراء وحتى سبأ وحمير ومعن... والقائمة تطول وتطول وتطول.
أهلنا في الخليج، ممن عاصروا تلك المرحلة من بلادهم لا شك يعرفون ذلك، لكنهم وأصواتهم معتقلة خلف قضبان حكم التخلف والرجعية والتبعية للاستعمار.
فهناك، في الخليج، من أهلنا، حداثيون، يؤمنون بقدرات شعوبهم، وقفوا معادين للاستعمار ومتحدينه، ومعادين لأنظمة التخلف والإقطاع. قاوموا الاستعمارين القديم والجديد ومشاريع التقسيم.
لنتذكر معاً زعماء وطنيين قوميين مخلصين ظهروا في جزيرة العرب. نتذكر الأمراء الأحرار، من الأمراء القوميين الناصريين طلال بن عبد العزيز وعبد المحسن بن عبد العزيز وبدر بن عبد العزيز وفواز بن عبد العزيز وسعد بن فهد. ولنتذكر القادة الوطنيين في عوالم السياسة والحركات العمالية والثقافة والعلم والإبداع، ومنهم المغدور ناصر السعيد وحمد السعيد ومحمد سعيد المسلم ونجيب الخنيزي وحسن الجشي وعبد الله الجشي وعلي الدمني وعبد الرؤوف الخنيزي وإسحق الشيخ يعقوب وعبد العزيز السنيد وعبد المحسن النصر وجعفر النصر وعبد العزيز المعمر، وعبد الرحمن النعيمي، وإبراهيم شريف، والمناضلة الرائدة هدى سالم، وغيرهم الكثيرون من المقاومين والمفكرين الأبطال الذين رفضوا أن تكون جزيرة العرب قاعدة للعدوان على الحداثة والتنوير.
وهل ننسى الطيارين الأبطال من سلاح الجو السعودي والأردني، الذين رفضوا أوامر قصف قوات الثورة اليمنية بقيادة الثائر الراحل عبد الله السلال ورفاقه، وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر عبد الناصر. رفضوا مشاركة العدو الصهيوني وتكفيريي الرياض وعميل واشنطن الشاهنشاهي في ضرب ثورة اليمن.
ولنتذكر في هذا المقام أن تكفيريي جزيرة العرب تحالفوا في ذلك الوقت مع نظام الشاه المخلوع «الرافضي العجمي المجوسي من عبدة النار الكفار» ضد الثورة الفتية في اليمن. وهل ننسى استجدائكم له ليرسل قواته لقمع الثورة في ظفار.
ويتجرأ بعضهم على الكلام عن غزو العدو الفارسي العجمي المجوسي!
كل المناضلين الأبطال آنفي الذكر، ومعهم رفاق كثر مجهولون، حاولوا الأخذ ببلادهم وأهاليهم إلى القرن العشرين فأسسوا الجمعيات والأحزاب والنقابات بل وحتى المكتبات كجزء من النضال الوطني القومي. وشكلوا جمعية العلم للنضال، ولجنة تنشئة الطلاب، واتحاد العمال في السعودية، وجبهة الإصلاح الوطني، وجبهة التحرير الوطني، وجبهة التحرير العربية، واتحاد أبناء الجزيرة العربية، واتحاد شعب الجزيرة العربية والجبهة القومية الديمقراطية والحزب النجدي الثوري، ومع رفاقهم في بلاد الشام شكلوا حركة القوميين العرب في الخليج والجزيرة العربية. ولا ننسى حركة الجبهة الشعبية لتحرير البحرين والجبهة الشعبية لتحرير عُمان، والجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل، وثورة ظفار، وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) التي أسسها المناضل الأسير إبراهيم شريف الذي يعاني مختلف صنوف التعذيب على أيدي مرتزقة نظام البحرين التي احتلها التكفيريون، وجبهة التحرير الوطني البحرانية، وغيرها من التنظيمات الطليعية التي تمثل عروبة العرب وليس أعرابية الحكام الأعراب التي لا تعرف سوى الغزو والنهب والعبودية والسبايا.
أهلنا ما كانوا يظنون أن بعض حكام تلك الشعوب التي ساعدوها على المشي عندما كانت لا تزال تحبو، يعبدون جزّارهم. حكام الأعراب، العالم لا يعرف عنهم سوى التآمر على بعضكم، تآمر الأخ على أخيه، والابن على أبيه، والأب على جده، والضرة على أبناء زوجها، وغير ذلك من التآمر العائلي على عرش بائد ومجد مزعوم، وتتقنون عض اليد التي أطعمتكم وأمسكت بذراعكم عندما كنتم تحبون. بل وصل الأمر أن يبيعوا الأوطان من أجل كرسي لخدمة المستعمر كما فعل ذوو عون وكبير سحرتهم فيصل بن الحسين الذي وقع اتفاق الخيانة مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن... اتفاقية الخيانة لبيع فلسطين مقابل عرش قصبي تابع لدوائر الاستخبارات البريطانية والصهيونية.
عندما انفجرت أسعار النفط، أولاً وقبل كل شيء بفضل تضحيات أهل مصر والشام والعراق في مقارعة العدو الصهيوني، واستحالت مشيخات الصحراء الفقيرة تملك المليارات واشتد عودها اعتماداً على دعم الاستعمارين البريطاني والأميركي، ظهرت حقيقة أولئك الحكام، أكثر من أن تحصى.
ثم يمنون على العروبة بأنهم أطلقوا على هذا المبنى أو تلك الخيمة صفة العرب وهم لم يتجرؤوا أصلاً على تسمية مجلسهم بالخليج العربي.
البقية معروفة. ها هم الحكام الأعراب يرسلون جيوشهم ومن ابتاعوا من مرتزقة العالم من مهربي المخدرات ويستجدون التحالف مع العدو الصهيوني، وليدمروا اليمن وليبيا وسوريا والعراق وللقضاء على قضية العرب الأولى، قضية فلسطين. ومن قبلها ابتعتم ببترودولاراتكم الحركة الوطنية الفلسطينية وحولتموها إلى ميليشيات خانعة في خدمة العدو.
حكام الأعراب ما عادوا يريدون دخول العرب أراضي دولهم حيث رأوا فيهم تهديداً لتسيد رجعيتهم وتخلفهم، لكنهم فتحوا أبوابها لكل من هو ليس بعربي، فاستحالت شعوبها أقلية مهملة في أوطانها بسبب السياسات الحمقاء المعادية للعرب والعروبة، لا تكاد تتقن عملاً ولا تعرف علماً، لذا يصح فيكم قول معن بن أوس:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً
ألقمه بأطراف البنان
جزاه الله من ولد جزاء
سليمة إنه شراً جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما استد ساعده رماني.
المليارات ينفقونها على تدمير اليمن وأهله الذين قال الحديث الشريف فيهم: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين أفئدة وأرق قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية»، و«قوم نقية قلوبهم ولينة طباعهم... الإيمان يمان والحكمة يمانية، هم مني وأنا منهم وهو شرف والله عظيم». وعند البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا (ثلاثًا)... فقالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟ فقال: منه الزلازل والفتن ومنه يطلع قرن الشيطان» رواه البخاري وأحمد والنسائي.
المليارات ينفقها الأعراب لسحق الإنسان وليس للاستثمار في بنائه وبناء مستقبل حقيقي. لم يبنوا شيئاً ولم ينتجوا شيئاً ولا يعرف عنهم سوى كثرة استهلاكهم المقويات الجنسية. تراهم يبعثرون أموال شعوبهم وثرواتها في تسول حماية المستعمر وبناء قواعد لحمايته من شعوبهم، ثم لاستئجار النفوس الضعيفة، جوق تطبيل وتزمير، من مثقفي البترودلار، ومن مفكري البترودولار، المنتفخين عن ورم، المتكرش منهم وغير المتكرش، ممن في عيونهم حول وميل إلى عطايا طوال العمر وفسادهم وإفسادهم! ولاستئجار أقلام الصحارة، صحافة الدعارة، فقط للتغطية على إخفاقاتهم في المجالات كافة. فلا فناً ابتدعوا، ولا فكراً عرفوا، ولا حتى قافية نظموا! فصح القول فيكم: رأيكم فند.
أتظنون أن هذه الجوقات المطبلة لكم تكن لكم أي احترام! المنتفخون أو المتكرشون، بل وحتى من منهم ينافس عارضات الأزياء في باريس وميلانو ونيويورك! بعضهم أو جميعهم، رأيهم، في أولياء نعمهم من المتكرشين والمنتفخين، على شاكلتهم، مدعي العروبة، يتلخص في كلميتن، دالتين: عملاء مزدوجون! لذا، إنكم أنفسكم فقط تخدعون، وكفى هبلاً!
﴿أيحسب أن ماله أخلده﴾. القول يصح فيهم: أيامكم عدد.
عروبة أمتنا التي ولدت في بلاد الشام ولا تزال حية في نفوسنا هي إرث هارون الرشيد صاحب بيت الحكمة، ونخوة المعتصم بالله صاحب عمورة استجابة لصرخة امرأة «وامعتصماه»، وصلاح الدين محرر القدس، وسيف الدين قطز غلاب المغول، والظاهر بيبرس طارد الإفرنج، والعادل عمر بن عبد العزيز، وشهداء لبنان وفلسطين وكل بلاد الشام وشعوب أمة العرب المقاومة وشهيداتهم: من شيخ الشهداء عمر المختار إلى هديل الهشلمون ودايا ارشيد وهديل عواد وبيان عسيلة ورشا عويصي ومرام حسونة وأشرقت طه وسماح أحمد وكلزار العويوي وكل المناضلات والمناضلين الذين تصدوا لعدوان الاستعمار، وما زلوا، والقائمة بطول تاريخ نضالنا ضد العدو من أجل العزة والحرية والكرامة.
عن أي خلود يبحثون!
كتب التاريخ، تتذكر من أنتج علماً وليس من جمع مالاً. تتذكر الجاحظ وابن رشد والفارابي وابن سينا والمتنبي وابن عربي وابن النفيس والرازي وابن حيان والكندي وجابر بن حيان وابن باجة وابن خلدون وابن الهيثم وابن حزم والإدريسي وابن طفيل والتلعفري وأبو الفضل بن نوبخت وابن أثال وسعيد بن ثابت ومنصور بن ساجر سجيون واسطفان بن يعقوب ويوحنا بن ماسويه وعبد المسيح الكندي وآل بختيشوع وإسحق الدمشقي وحنين بن إسحق القبطي والخطاط السرياني ورهبان عمورية، وحنين بن إسحق رئيس بيت الحكمة وشيخ المترجمين النسطوري. تذكر الأقباط الذين أسسوا دار الصناعة في الإسكندرية ودار الصناعة في تونس، والذين ساعدوا في دعم الكعبة عندما أصابها صدع، والذين بهم استعان الوليد بن عبد الملك لبناء المسجد الأقصى في القدس والجامع الأموي في دمشق وإعادة بناء مسجد المدينة المنورة أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز، وجامع ابن طولون صاحب مدينة القطائع قرب الفسطاط، وسيرابيون السكندري ويوحنا النقيوسي.
وتتذكر أيضاً حسداي بن شيروت وصموئيل بن نغريلا وسليمان بن المعلم وأبراهام بن مائير وحنا منسي وموسى بن ميمون وأبراهام الفاسي وثيوفيل بن توما والمنجونيين ومائير الفوادس ويعقوب بن نونز وصموئيل نكريلا ويوسف بن صموئيل وأبو إسحق بن مهجر، وهذه القوائم، جميعها، أيضاً تطول وتطول وتطول.
كتب التاريخ خلدتهم كما قال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: «أقول هنا لمن يفرط... انظر إلى الموتى وتأمل حالهم ومآلهم، فوالله إنه سيأتيك يوم مثل يومهم وسيمر عليك ما مر بهم، ألا فاعتبر واستعد، ولا تغفل ولا تنسى مصيرك ومآلك:
وحيداً فريداً في التراب وإنما قرين الفتى في القبر ما كان يعمل ابحثوا في كتب التاريخ فستجدون في هوامش منسية أحرف أسماء: الكامل والأشرف موسى والصالح إسماعيل والناصر داود والمنصور إبراهيم...
هؤلاء، جميعهم، الذين ناقضت شر أعمالهم ما سطوا عليه من ألقاب، فنصروا الفرنجة على شعوبهم. إنهم فعلوا تماماً كما ارتكبتم من جرائم عندما ساعدتم الاستعمارين الأميركي والبريطاني على إعادة احتلال العراق وتدميره، وعلى احتلال ليبيا وتدميرها وعلى تدمير اليمن ولبنان وسوريا، ومن قبل ذلك عندما بعتم فلسطين للعدو الصهيوني، ومرة أخرى القائمة تطول وتطول.
لكن أين جزركم الثلاثة المحتلة!
إنها لا تبعد سوى أمتار قليلة عن «شواطئكم»، فأين بطولاتكم المزعومة من «الرافضي الكافر المحتل العجمي المجوسي من عبدة النار»!
وفيكم يصح أيضاً القول: ألا فإن جمعكم بدد.
على أي حال، القدس ويافا وغزة ودمشق وحلب وبيروت وصيدا وصور وبغداد وسامراء والموصل وغيرها من مراكز بلاد الشام الحضارية التي يتغنى بها العالم وتبهر البشرية إلى يومنا هذا، عاشت وأهلها آلاف السنين من دون بترودولاراتهم، المغمسة أصلاً بدماء شهدائنا.
أما مالكم فزبد.
أيها الأعراب، التنزيل المبارك قال كلمته فيكم، وهي تلصق بكم إلى يوم الدين.