Translate

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

يُسجَّل لليمن



محمد نزال/ الاخبار اللبنانية 11 أبريل 2016
اعتدنا في حروب منطقتنا، على اختلافها، وعلى مدى القرن الماضي، أن نُعاين طوابير النازحين وطالبي اللجوء إلى الخارج. لا عتب على الناس، البؤساء، حتماً. لكن سيأتي اليمنيّون، أخيراً، ليضعونا أمام مشهد آخر. شيء جديد. ظاهرة، إن جاز الوصف. آلاف منهم، في مطارات دول قريبة وبعيدة، كانوا يضجّون ويصرخون ويذرفون الدموع، بغية السماح لهم بالعودة إلى وطنهم. عدوان لئيم قد انطلق ضد بلدهم. حصار جوّي مطبق على اليمن.
سيعتصمون في المطارات، ثم سيُسمح لبعضهم بالعودة، فعلاً، لترصدهم عدسات المصوّرين لحظة وصولهم وهم يُقبّلون تراب أرضهم، وقد وطأوها. حصل هذا قبل عام. ليسوا من عِلية القوم، ليسوا سياسيين، ليسوا نافذين، بل ليسوا أثرياء... إنهم فقراء. هم «الشعب». هم الناس «العاديّون». هم الذين استدانوا ثمن تذكرة طائرة العودة، وتركوا خلفهم أعمالهم، بل قُل فرص حياة أفضل، ولو قليلاً. ليس في الأمر، يعني، أيّ استعراض. سيبدأ العالم هنا، بما فيه العربي، التعرّف إلى شعب أُقصي، قهراً، عن واجهة «الأحياء».
نُقطة أخرى، تُقارب الأسطورة، تُسجّل للشعب اليمني. عدّوهم هنا، يعني آل سعود، بآلته الإعلاميّة الضخمة، أصرّ وما زال على تصويرهم كـ«خارجين عن الملّة»، أو كـ«كفّار» عموماً. لم تبقَ مفردة مذهبيّة، وبلغة قميئة، إلا ووصفوا اليمنيين بها. وأيّ نكد في الدهر يمكن أن يصل إلى حد هزلي، يفوق الخرافة، ليُصبح معه اليمني فارسيّاً! وهل اليمن إلا أصل العرب وبلاد ملوكهم ومهد قحطان! لا حد للوقاحة عند هكذا عدو. لم يبقَ رجل دين سعودي، أو داعية، أو إعلامي، أو «نخبوي» يدور في هذا الفلك، أو أو... إلا وهبط في لعبة الألفاظ هذه. لم يكن الأمر محصوراً بـ«العامة».
لم يتذللوا أمام
سفارات العالم في بلدهم
لطلب الهجرة
هنا الكارثة. لكن، في المُقابل، لن يُضبط مسؤول يمني، حتى من المستوى ما بعد العاشر، من المُعتدى عليهم بأشرس عدوان جوّي في العصر الحديث، وهو يطلق لفظة مذهبيّة واحدة. لم يقولوا «سُنّة». لم يلعنوا أحداً. لم ينبشوا الخلافات في الكُتب القديمة، على ما فيها من عفن، رغم معرفتهم بها، بل حافظوا على ما اشتهروا به من نخوة و«حكمة يمانيّة».
ترتفع المشهديّة الغرائبيّة بمستواها إلى الحد الأقصى، في اليمن، وذلك بعد مضي نحو 4 أشهر من العدوان المتواصل، إذ تمتلئ ساحات صنعاء بمئات الآلاف من الهاتفين ضد... العدو الإسرائيلي! هكذا، قرّر عدد كبير من اليمنيين، على عادتهم كلّ سنة، أن يحيوا «يوم القدس العالمي» في ساحات العاصمة. حصل ذلك فيما كانت طائرات التحالف العربي، بقيادة السعوديّة، تدك بيوت اليمنيين. تلك البيوت، الهزيلة أصلاً، التي كانت تحتاج إلى ترميم منذ عقود من الزمن، إذ لم تعد تحتاج إلا لضربات مطرقة حتى تسقط... ها هي تُقصف بأعتى الصواريخ الحربيّة. كنّا قد اعتدنا أن يصرخ الناس، العرب، خلال الحروب العربيّة – الإسرائيليّة، بالعبارة الشهيرة: «أين أنتم يا عرب»؟ أو مثل تلك السيّدة الفلسطينيّة، التي وقفت عند جثث أهلها، في مجزرة صبرا وشاتيلا قبل 34 عاماً، وهي تنده: «أين أنتم يا ملوك العرب». ماذا كان على اليمني أن يقول خلال العام الماضي؟ هل ينادي العرب؟ بمن يستغيث ويستجير؟ ها هم ملوكهم أنفسهم هم الذي يسحقونه الآن. لكن اليمني، وفي هذه اللحظة، كان يُصر أن يخرج ليقول: «الموت لإسرائيل». شيء يفوق الخيال.
خلال السنوات الخمس الماضية، ومع موجة «الربيع» التي ضربت المنطقة العربيّة، والتي كانت سوريا درّة تاجها، كان الإعلام العالمي يتسابق، ولو تهريباً، لقطع الحدود بغية «نقل الخبر». كثيرون، من الصحافيين، خاطروا بحياتهم وخُطفوا. منهم من قُتل أيضاً. لكن هذا لم يحصل في اليمن، إلا نادراً، لكأن هذه البلاد لا تثير حشرية صحافيي العالم. غريب! حتى في هذه اليمن مختلف.
مشهد آخر يُسجّل لليمن. عزّة النفس التي زادت عن الحد المألوف. يعني، ليس عيباً أن يُناشد شعب ما، بينما هو يُقتل، دول العالم أن تتحرك للضغط من أجل حمايته. هكذا، فرغم ذلك، أو رغم «طبيعيّة» ذلك، إلا أن اليمني لم يفعلها. قد يكون للذهنية القبلية هناك، وهذه ربما تكون إيجابيّة هذه المرّة، أثر في هذا السلوك. لم يتذللوا أمام سفارات العالم في بلدهم لطلب الهجرة. لم يتسوّلوا حتى التضامن من أحد. لم يطلبوا ذلك حتى من «أشقائهم العرب» فضلاً عن «الأصدقاء» الأبعد. حتّى عندما صدر تصريح من مسؤول إيراني، وهو حليف في السياسة، يُفهم منه «تدخلاً» في اليمن، خرج مسؤولون يمنيّون، منهم «حوثيون» أيضاً، ليستنكروا ذلك ويرفضونه بشدّة. قالوا هذا في العلن. يقولون هذا وهم تحت القصف، في أحلك لحظات الحاجة للدعم، لكن لا. هكذا، مشتبه جداً من يظن أن حجم القصف الذي تعرّض له اليمن، على مدى العام الماضي، أقل من حجم ما تعرّضت له غزّة في فلسطين خلال السنوات الماضية، أو حتى لبنان قبل 10 سنوات. التقارير الأممية تحسم الجدل... فضلاً عن الشهادات الداخليّة. عام كامل من طحن عظام الأطفال، بشهادة الأمم المتحدة، وعلى لسان المفوّض الأعلى للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان... ومع ذلك لم يصرخ اليمنيّون، أقلّه في العلن. ربما خنقوا عبراتهم، أمام الناس، ليدعوها تفيض أنهاراً، ليلاً، بين جدران بيوتهم الرثّة، وهم يحتضنون أطفالهم. شيء يحتاج إلى دراسة معمّقة، من طراز خاص، لفهم هذه «السيكولوجيا» الخاصة عند ذلك الشعب المجهول.
في لقاء تلفزيوني مع وزير الخارجيّة العراقي الأسبق، عدنان الباجه جي، تحدّث عن اليمن واليمنيين في سياق شهادته للتاريخ، بالآتي: «أذكر عندما كنّا في تركيا (ستينيات القرن الماضي) في زيارة رسميّة، كان يجلس جنبي عصمت أونونو، رئيس الجمهورية الثاني في تركيا، وقد دار كلام بيننا عن حرب اليمن. فقال لي: إن جمال عبد الناصر ارتكب خطأ كبيراً بالذهاب إلى اليمن، فأنا قد حاربت جميع الأقوام، الإنكليز والصرب واليونان والروس واليمن، في اليمن كنتُ قائد حامية هناك، ولكن مثل اليمنيين محاربين أشداء لم أرَ في حياتي». ويختم باجه جي، الذي كان سفير العراق الأسبق في الأمم المتحدة أيضاً، بالتالي: «اليمنيّون لا يحتاجون معدات للحرب، عندهم الجبال، وكلّ خرطوشة يضعونها في البندقية لا تذهب سدى. هم أناس يكتفون بالقليل... لصنع الكثير».

اليمن بعد عام من العدوان ماذا تغيّر!؟



هشام الهبيشان/ البناء اللبنانية 11 أبريل 2016
تزامناً مع الوقت الذي يتحدث فيه معظم المتابعين، وفق المؤشرات الحالية، عن انخفاض مؤشرات اقتراب معركة صنعاء رغم الاستعدادات «الإعلامية الكبرى» التي تجريها القوات الغازية لليمن: «ناتو العرب»، تحضيراً لمعركة صنعاء، خصوصاً بعد الخسائر الكبرى التي تكبدتها القوات الغازية بمحافظة تعز ومأرب شمال اليمن، وتمدّد تنظيمَي «داعش» و «القاعدة» بجنوب اليمن، وهنا بالتحديد وتزامنآ مع كلّ هذه التحضيرات «الإعلامية»، يمكن لأيّ متابع ان يجزم أنه ومع انقضاء أيام العام الأول وبداية العام الثاني من الحرب العدوانية والمغامرة السعودية في اليمن «عاصفة الحزم ـ إعادة الأمل»، لا يمكن أن يتم الحديث عن أي نصر حققته هذه الحرب، وذلك لأسباب ومبرّرات عدة، سنقدمها في السياق، لأننا بعد عملية التقييم الواقعي للأضرار والانتكاسات والخسائر التي لحقت بالجميع: مشاركين أو مستهدَفين من هذه الحرب، سنخلص إلى نتيجة مفادها أنّ الجميع قد خسر من نتائج وتداعيات هذه المغامرة.
هنا بالتحديد، فقد تيقن النظام السعودي من عدم جدوى إعادة اليمن إلى نفوذه، تزامناً مع رفض معظم اليمنيين، اليوم، الرضوخ لإرادة النظام السعودي، وهذا ما برز واضحاً من خلال تظاهرات «سبت صنعاء» الكبرى، كما أكدت هذه التظاهرات حقيقة أنّ اليمن قرّر الخروج من تحت العباءة السعودية، وهذا ما دفع النظام السعودي إلى البحث عن مخارج من المستنقع اليمني، في محاولة منه لاستيعاب صدمة خروج اليمن من تحت العباءة السعودية، ومحاولة الحصول على بعض المكاسب السياسية كورقة قوة على طاولة المفاوضات والحلول السياسية المقبلة الخاصة باليمن.
على المحور الآخر، إذا حللنا بوضوح طريقة تعاطي مجموع الأنظمة العربية الرسمية وبعض الأنظمة الإقليمية مع هذا الحدث وهذه الحرب العدوانية والمغامرة السعودية في اليمن، فإننا نلاحظ أنّ بعض هذه الأنظمة كان شريكاً في مراحل هذه المغامرة، وبعضها كان محايداً، وبعضها اختار طريق مواجهة شبه مباشرة سياسيا ومن خلف الكواليس مع أطراف العدوان على اليمن، فقد تحولت وما زالت الأرض اليمنية طيلة أكثر من 370 يوماً إلى ساحة صراع دولية ـ إقليمية ـ محلية، وعلى مستويات عدة، وكان الصراع الأكثر وضوحاً صراع محاور المنطقة والإقليم، وقد كانت المعركة على أشدها في اليمن، وكانت جميع هذه المحاور تسعى ومن خلف الكواليس، إلى تصفية مشروع المحور الآخر وإجهاضه على أرض اليمن.
وهنا تحديداً، فلا يمكن للأنظمة العربية «ناتو العرب» التي ساهمت، ولو بشكل معنوي، في توفير الغطاء وإعطاء الشرعية للنظام السعودي للقيام بهذه المقامرة والمغامرة في اليمن أن تستمر طويلاً بتوفير هذا الغطاء، لأنها، حينها، ستكون أمام واقع جديد، فالسعودية قد تجرّ هذه الأنظمة إلى مغامرات جديدة في المنطقة، وسيكون ثمن هذه المغامرات كبيراً في المقامرات والمغامرات السعودية المقبلة.
وعلى صعيد نتائج الحرب على اليمن، فقد تأكد للجميع أنه لا يمكن أبداً فصل دور القوى الوطنية اليمنية: أنصار الله والمؤتمر الشعبي وحلفائهم، أو استثناء دورهم، كشريك في الحلّ، وهناك إجماع شبه كامل في المنطقة على دور هذه القوى الوطنية ومجموعة الحركات التي تنتمي إليها تحت هذه المظلة، لتكون بمجموعها شريكاً او ركناً أساسياً للحلّ، وهذا ما بدأ يقر به أيضاً النظام السعودي مؤخراً.
ختاماً، لقد كانت الأيام الـ370 من الحرب السعودية على اليمن كفيلة بتحويل اليمن إلى بلد منكوب، وهذا يطرح، بدوره، سؤالاً مشروعاً ويستحق أن يطرح في هذه المرحلة، والسؤال بمضمونه العام وفي سياقه الإنساني والأخلاقي هو: من سيهب اليمن الحياة من جديد؟ هنا لا يمكن أبداً التقليل من نتائج وآثار هذه الحرب العدوانية على اليمن، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، والأهمّ من ذلك هو الملف المجتمعي، الذي هو في حاجة الآن إلى عمل مضنٍ لإعادة بناء وترميم البيت الداخلي المجتمعي اليمني، وخصوصاً بعد سلسلة التباينات والشروخ التي خلفتها المغامرة السعودية بين أبناء الوطن الواحد في اليمن.

السعودية تخضع وتعيش الخيبة في اليمن: حقائق حول الوضع الحالي للرياض



الأحد 3 رجب 1437
الوقت - تعيش الرياض حالةً من الخيبة على المستويات كافة. ولعل الحديث عن الخيبة السعودية، أمرٌ يحتاج لذكر حجم الرضوخ الذي يعتري البلد الخليجي، والذي أمعن في التخطيط لحربٍ على الشعب اليمني، لم تُحقِّق سوى الخسارة لكلٍ من الدول التي دخلت العدوان، وتحديداً الدول الخليجية. فيما خرج الشعب اليمني أقوى، على الرغم من أن ذلك كلَّفه الكثير من الأرواح البريئة، والتي بسببها دخلت السعودية موسوعة الدول التي تتصف بجرائم الحرب. فيما يبدو اليوم أن الرياض والتي تسعى للتمهيد للخروج من الهزيمة في اليمن، تعيش وضعاً أصعب من حالها حين بدء العدوان. فيما يُعتبر وقف العدوان (إن حصل)، ليس إلا محاولةً لمنع استمرار حالة الإستنزاف التي مُنيت بها السعودية. فكيف يمكن توصيف الوضع الحالي للرياض؟ وماذا في التحليل والدلالات؟
توصيف لوضع السعودية الحالي
يمكن الإشارة لوضع الرياض حالياً بشكلٍ عام من خلال التالي:
    تعرضت السياسة الخارجية للرياض ومنذ أواخر العام 2015 لعدد من الإنتكاسات والذي دفع بالسعودية لإعادة النظر في الحرب الدائرة في اليمن، خصوصاً بعد أن تحولت هذه الحرب إلى عملية استنزافٍ لها على الصعد الإقتصادية والسياسية والعسكرية. لا سيما بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها، بل وصلت الى حد الشعور بالهزيمة، والتي شبَّهها البعض بهزيمة الصهاينة أمام قدرة وإرادة الشعب الفلسطيني الأعزل. فيما يزال الشعب اليمني يعيش تحت وطأة النتائج التي سبَّبتها الحرب، والتي لم تكن إلا ضده، حيث أنه لم تنل من أي طرفٍ داخليٍ يمني، بل أدت الى إحداث دمارٍ في البنية اليمنية كافة، إجتماعياً وسياسياً وديموغرافياً. في وقتٍ ساهمت الحرب، في جعل اليمن طرفاً فاعلاً وإدخاله في اللعبة السياسية الإقليمية، بعد نجاحه في الصبر على العدوان شعبياً، ومقاومة العدوان السعودي عسكرياً من قبل اللجان الشعبية وحركة أنصار الله.
    وهنا، ففي وقتٍ يُسجَّل فيه لليمنيين انتصارهم، على الرغم من أن الحرب ما تزال قائمة، إلا أنه وبحسب معايير الربح والخسارة، فقد مُنيت الرياض بهزيمةٍ كُبرى، في وقتٍ حقَّق فيه اليمنيون إنجازاتٍ بدأت بالصبر على العدوان، وصولاً الى فرض الخيارات السياسية، ولو أن التجاذبات الداخلية ما تزال سيدة الموقف المحلي في اليمن، إلا أنها تُعبِّر عن طبيعة العمل السياسي. فيما يمكن القول وبموضوعية، إن الرياض ستخرج من عدوانها، بأوراقٍ أقل من التي كانت بحوزتها قبل العدوان.
    ومن أهم الإنتكاسات التي تعرضت لها السعودية، والتي تتقاطع مع الفشل العسكري في العدوان، هي مسألة خسارتها في السياسة الخارجية، لا سيما بعد فشل الدعوة التي أطلقتها لتشكيل ما يُسمى بالقوة الإسلامية المشتركة، وفشلها في الحشد للتدخل البري في سوريا. إضافة إلى تعرض الرياض، لحملات إدانة عالمية رسمية وحقوقية وشعبية، بفعل الغارات الجوية على اليمن والتي أصابت الكثير من المرافق المدنية، وأدت إلى جرح وقتل الآلاف من اليمنيين الأبرياء مما أدخلها بقوة في موسوعة جرائم الحروب والتي لن تستطيع الخروج منها على الإطلاق. وقد تزامنت هذه الإنتكاسات في وقت تعيش الرياض أزماتٍ إقتصادية داخلية، ينهار فيها الإقتصاد السعودي، في ظل خسارةٍ يومية للرياض تزيد عن المليار دولار بسبب هبوط أسعار النفط، على الرغم من أن بعض أسباب ذلك تتعلق بالعقلية الكيدية السعودية.
تحليل ودلالات
من هنا ومن خلال الأسباب الكافية التي ذكرناها، يمكن تحليل التالي:
    بدت السياسة الخارجية للسعودية منذ بداية العام الحالي 2016، مشغولة بوضع خطةٍ تساعدها في التمهيد للخروج من المأزق اليمني، وذلك عبر البحث بجدية عن مخرج لائق لتحقيق ذلك. حيث يبدو أن الرياض بحسب ما يقول المراقبون، أدركت بعد عام على بدء الحرب التي سُميت "عاصفة الحزم"، إستحالة تحقيق نصر عسكري وبالتالي سياسي. خصوصاً بعد نجاح حركة أنصار الله في قلب الموازين، والعبور باليمن من أحادية السيطرة السعودية الى تنوع الداخل اليمني، والتأسيس لواقعٍ يأخذ بعين الإعتبار الى جانب توجهات أنصار الله، الآراء والتوجهات الأخرى، والتي لا مشكلة إن تعارضت فيما بينها شرط أن تبقى تحت سقف السيادة الوطنية اليمنية. الأمر الذي أخرج اليمن على الصعيد السياسي من مأزق "التبعية" الى إنتصار "إمتلاك القرار السيادي".
    وهنا نجد أنه وفي الأسبوع الثاني من شهر آذار من العام 2016، دخلت مبادرة وقف إطلاق النار على الشريط الحدودي بين السعودية واليمن كمقدمةٍ للوصول لحل سياسي بعد مفاوضات حول اليمن. وكان من أبرز النتائج التي ترتبت على هذه المفاوضات، الإعلان عن عملية لتبادل الأسرى بين الجانبين، الى جانب الإستمرار في المفاوضات حول تبادل الجثث.
    ولعل الحدث الذي ينتظره الجميع بترقُّب، هو عملية البحث بشكل جدي عن تسوية سياسية، تبدأ بإجراءات لبناء الثقة ووقف العمليات القتالية، إعتباراً من منتصف ليل 10 نيسان الحالي، على أن يتم إعلان مبادرة تسوية شاملة في نهاية المفاوضات التي ستبدأ في الكويت في 18 من الشهر ذاته. طبقا لما جاء في الدعوة الكويتية المستندة إلى المبادرة الخليجية وقرار مجلس الأمن 2216 ومخرجات الحوار الوطني اليمني الذي جرى برعاية الأمم المتحدة.
    لكن يبقى الحديث عن التسويات، أمراً يتعلق بمدى صدقية الرياض، والتي وإن تغيَّرت طريقتها في التعامل، بعد رضوخها للواقع اليمني، والتبدلات الإقليمية، حيث أنها كانت وما تزال طرفاً يخرق الإتفاقيات. الأمر الذي يُبقي الأمور مُهدَّدة، بحسب نوايا الطرف السعودي.
إذن تبقى الأمور رهن الأحداث في الأيام المُقبلة. فيما لا بد من إعادة التذكير، بأن السعي السعودي أو التوجه السعودي، ليس رأفة باليمنيين المظلومين، بل رضوخاً للواقع اليمني والإقليمي الذي فرض نفسه وبقوة على الرياض. في وقتٍ أصبحت فيه الملفات رهن تجاذب الدول الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن وموسكو وطهران. بل إن اللاعبين الكبار، أصبحوا يُدركون أنه لا مكان للرياض في حسابات المستقبل الدولية. بل إن حجمها لن يتخطى دائرة الإقليم ولو ظرفياً. فيما يمكن القول بصدق، إنه لو نجحت الهدنة المُرتقبة، فإن ذلك يعني نجاح الشعب اليمني الذي سيُسجِّل التاريخ عنه أنه الشعب الأكثر مظلومية في عصرنا هذا.